"فَـيّ الغامدي" تُرسّخ الهوية السعودية.. الطين قصة وطن ورسالة إنسانية

رحلة بدأت كهديّة طفولة وانتهت برسالة إنسانية تُعلّم آلاف الأطفال وتورّث الفن للأجيال القادمة
"فَـيّ الغامدي" تُرسّخ الهوية السعودية.. الطين قصة وطن ورسالة إنسانية
تاريخ النشر

بين يدي طفلة لم تتجاوز السابعة من عمرها، استقرت عجلة فخار صغيرة، قدمتها لها والدتها كعيدية بسيطة. لم تكن الأم تدري حينها أن هذه الهدية ستفتح بابًا واسعًا لشغف سيكبر مع ابنتها عامًا بعد عام، فتصبح فَـيّ سعد الغامدي واحدة من أبرز سيدات الحرف اليدوية، ووجهًا مضيئًا لحرفة الفخار في المملكة.

تقول فَـيّ إن تلك اللحظة كانت الشرارة الأولى التي غيرت مسار حياتها، فرائحة الطين وصوت العجلة وهي تدور متداخلان في ذاكرتها بالفرح والدهشة، ليصبح الفخار ليس مجرد هواية طفولية، بل فنًا يعيش بداخلها ويعكس صلة الإنسان بأرضه وجذوره.

ومع مرور السنوات، توسعت اهتماماتها بين الرسم وإعادة التدوير، غير أن شغفها الأصيل أعادها دائمًا إلى الفخار باعتباره الأقرب إلى قلبها والأعمق أثرًا في نفسها. وعندما التحقت بالجامعة لدراسة النسيج والأزياء، لم يكن ذلك مجرد معرفة أكاديمية، بل كان جسرًا صقل فنها ومنحها دقة أكبر في إنجاز منتجاتها. ومنذ أيام الدراسة، بدأت رحلتها في تحويل الحرف اليدوية إلى مصدر دخل، لتنتقل من مشروع صغير في النجارة إلى مشروع متكامل يُعنى بصناعة المنتجات الفخارية والخزفية بأبعاد فنية وإنسانية.

لكن قصة فَـيّ لم تتوقف عند حدود المهنة أو الجانب التجاري، بل تجاوزته إلى رسالة إنسانية أوسع. فهي ترى أن كل قطعة فخارية تحمل حكاية، وكل تجربة تعليمية مع الأطفال والمهتمين هي رسالة للمستقبل. لذلك، بادرت إلى تقديم ورش عمل تطوعية شهرية بالتعاون مع جمعيات خيرية ومراكز للصحة النفسية، تتيح للأطفال والمرضى اختبار الفخار لا كحرفة فحسب، بل كـ علاج بالفن ونافذة للبوح والإبداع.

وعلى مدار سنوات، استطاعت الغامدي أن تُعلّم أكثر من ألفي شخص وطفل، بينهم أيتام وأطفال في جمعيات خيرية، لتصبح تجربتها مزيجًا بين الفن والإيمان بقدرة الحرفة على التغيير. تقول بابتسامة: "هدفي لم يكن تعليم الفخار فقط، بل أن أترك في كل قلب بصمة، وفي كل يد لمست الطين شعورًا بالانتماء والإبداع."

وفي عام 2025، أعلنت المملكة العربية السعودية أنه عام الحرف اليدوية، حيث تُجسد هذه الحرف إرثًا حضاريًا عريقًا يعكس أصالة المجتمع وارتباطه بهويته وثقافته، وتشكّل ركيزة رئيسية من ركائز الهوية الوطنية والفن الإنساني المتوارث جيلاً بعد جيل، ولهذا تتجسد قصة فَـيّ الغامدي كرمزٍ حيّ لهذا الإعلان؛ قصة بدأت من هدية طفولية صغيرة، لتصبح مشروع عمر ورسالة إنسانية تُورِّث الجمال والقيم من جيل إلى جيل.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com