

وادي العقبات في صحراء مصر الغربية.
قال لنا مرشدنا أحمد: "في الصحراء، لكل شيء حل". وأضاف بابتسامة ساخرة وهو يسحب سحاب سترته الخفيفة: "إلا الريح".
مع غروب الشمس في ليلتنا الثانية من التخييم في صحراء مصر البيضاء السريالية، انكسر الصمت. هبت عاصفة رملية دون سابق إنذار، تلتهم المشهد بجدار من الغبار والحصى. دارت الرمال حول التكوينات الحجرية الجيرية الشاهقة - التي تبدو بالفعل من عالم آخر نهارًا - وحولتها إلى ظلال شبحية، تتبدل أشكالها كالسراب في الضباب الدوامي.
بدا أحد التشكيلات، الذي يشبه طائرًا جارحًا عملاقًا، وكأنه يتلألأ وينبض في العاصفة. أما التشكيل الآخر، ذو المظهر الملكي العتيق، فكان يشبه أبو الهول بشكل غريب. كان من المستحيل ألا نتساءل: هل ألهمت هذه الحراسات الجيرية الغريبة المصريين القدماء لنحت بعضٍ من أشهر آثارهم؟
لطالما جذبتني الصحاري - اتساعها، صمودها، وصمتها. والآن، وأنا أقيم في القاهرة، لم أستطع مقاومة فرصة قضاء بضعة أيام في الصحراء البيضاء، بعيدًا عن صخب الحياة. انطلقنا أنا وزوجي، برفقة مرشد سياحي وسائق مصريين، في رحلة استكشافية استغرقت ثلاثة أيام وليلتين، أخذتنا إلى أعماق إحدى عجائب مصر الأقل شهرة.
وسط دوامة الفوضى، لمحتُ في البعيد ملامحَ شخصٍ باهتةً، أشبهَ بشبحٍ في العاصفة. ظننا أن أعيننا تُخدعنا مع اشتداد الرياح واختفاء الشخص. لم نعلم إلا لاحقًا أن امرأةً من معسكرٍ آخر قد ضلّت طريقها عندما حجبت الرمالُ الدوارةُ كلَّ إحساسٍ بالاتجاه. لحسن الحظ، لم تبتعد كثيرًا، وسرعان ما عُثر عليها. في الصحراء، حتى المسافرون ذوو الخبرة قد يفقدون اتجاهاتهم بسرعة.
أطفأنا نارنا على عجل، وهرعنا بحثًا عن مأوى، متجمعين داخل خيمة جدارية مضاءة بمصباح واحد متذبذب يعمل ببطارية سيارة. تناثرت الرمال على القماش كالمطر الغزير، وتسللت عبر كل درز وسحاب. عندما استيقظت في وقت لاحق من تلك الليلة، كانت العاصفة قد مرت. كان السكون مطبقًا لدرجة أنه كاد يُثير القلق - لكنني لم أستطع الخروج. انغلق سحاب الخيمة بإحكام بفعل الرمال، واضطررنا إلى كسره للخروج.
كان المشهد الذي استقبلني تحت ضوء القمر ساحرًا. غطّت طبقة كثيفة من الرمال الناعمة كل شيء: الخيمة، وأكياس نومنا، وملابسنا، وحتى شعرنا. وقفتُ وحدي تحت سماء مرصعة بالنجوم، أشعر وكأنني استيقظتُ على كوكب آخر.
في الصمت، لمحتُ وميضًا من الحركة: فنك صغير (ثعلب صحراوي) يمرّ مسرعًا. توقف قليلًا ليلتقي بنظراتي، وعيناه الكهرمانيّتان تلتقطان ضوء القمر، قبل أن يختفي في الكثبان الرملية.
على بُعد حوالي 230 ميلاً جنوب غرب القاهرة، يُمكن الوصول إلى الصحراء البيضاء، أو الصحراء الغربية، عبر الواحات البحرية. تستغرق الرحلة حوالي خمس ساعات براً - وهي مدة كافية للشعور بالانحسار التدريجي لحياة المدن - تليها بضع ساعات أخرى من التجول على الطرق الوعرة عبر الصحراء المفتوحة بحثاً عن المكان الأمثل لإقامة المخيم. يُفضل معظم المسافرين، مثلنا، رحلات استكشافية برفقة مرشدين في سيارات لاند كروزر متينة، مُجهزة بمعدات ملاحة حديثة، ومُحمّلة بالمؤن الضرورية للنجاة من قسوة الصحراء.
لكن سحر الصحراء الحقيقي يتكشف ببطء. صحاري مصر البيضاء والسوداء مثالٌ على التناقض. الصحراء البيضاء، التي حُمّيت كمنتزه وطني عام ٢٠٠٢، تهيمن عليها تكوينات من الحجر الجيري الطباشيري نحتتها عوامل التعرية الريحية على مدى آلاف السنين. بعضها يشبه فطرًا عملاقًا، والبعض الآخر يشبه الجمال، وأبو الهول، والغربان، أو مخلوقات خيالية من عالم آخر.
على بُعد مسافة قصيرة بالسيارة، تقع الصحراء السوداء، محطتنا التالية في رحلتنا، حيث تتلاشى الرمال المغرة لتحل محلها تلال بركانية سوداء القمم. هذه القمم الداكنة هي بقايا ثورات بركانية قديمة قذفت البازلت فوق الرمال المحيطة، مما خلق مشهدًا قاسيًا وكئيبًا يُشعرك بطابع المريخ.
تسلقنا أحد التلال الكبيرة ووقفنا على قمته، نشاهد الضوء يتحول عبر أرض الصحراء الصامتة والواسعة - وهو المنظر الذي جعل العالم الخارجي يبدو بعيدًا بشكل مستحيل.
من هناك، توقفنا عند جبل كريستال، وهو نتوء من بلورات الكوارتز والكالسيت المندمجة معًا في هياكل مبهرة. صخرة ضخمة، على شكل قنديل بحر غريب، بدت خيالية لدرجة يصعب تصديقها.
ولكن ربما كان المكان الأكثر غرابة الذي زرناه هو وادي الأغبات، وهو متاهة مخفية من التكوينات الصخرية الشاهقة والتضاريس الشبيهة بالقمر بالقرب من الصحراء البيضاء وواحة البحرية، ولا يمكن الوصول إليها إلا برفقة مرشدين ذوي خبرة.
تشتهر هذه الوادي النائية بمنحوتاتها الحجرية السريالية ورمالها الذهبية، ومن المرجح أنها لعبت دورًا هادئًا ولكن مهمًا في شبكات التجارة القديمة.
خلال العصور الفرعونية واليونانية الرومانية، ولاحقًا الإسلامية، كانت طرق القوافل - التي تُعرف غالبًا باسم "طرق الدرب" - تتقاطع عبر الصحاري الشاسعة، رابطةً وادي النيل بالواحات البعيدة وما وراءها، حتى أنها امتدت نحو ليبيا. كان وادي الأغباط بمثابة ممر طبيعي بين واحات البحرية والفرافرة، موفرًا عبورًا أسهل نسبيًا عبر المناظر الطبيعية الصحراوية الوعرة، مع معالم مميزة في مساحة شاسعة خالية من المعالم.
في قلبه، يكشف كهف القمر عن عجائب هادئة: أشعة ضوئية رقيقة تتسلل عبر شقوق طبيعية، مُنيرةً جدرانًا مشبعة بالعروق المعدنية تتلألأ في ظلمة الليل. كان لمس الصخرة الباردة المتلألئة بمثابة محاولة للتواصل مع تاريخ الأرض السري.
لكن ما كان أكثر إثارة للدهشة هو صوتيات الكهف. انحناء الصخرة وارتفاعها وكثافتها ضخّمت صوت التصفيق الواحد إلى ضوضاء صاخبة تردد صداها في أرجاء الصحراء المحيطة - وهي ظاهرة طبيعية قد تكون، في حالات الطوارئ، بمثابة إشارة إنقاذ.
رغم بعض الإزعاجات العرضية - كيس نوم مليء بالرمال، وغبار ناعم لا ينضب يُغطي كل شيء - وجدت نفسي أستمتع بكل لحظة شجاعة وجنونية. هناك، مُجرّدًا من مُشتتات العصر الحديث، شعرتُ وكأن عناصر الحياة الأساسية - الهواء، والتراب، والنار، والماء (أو انعدامها المُلح) - تُؤكد وجودها بوضوحٍ مُثير.
على بُعد يوم واحد فقط بالسيارة من صخب القاهرة، تُقدّم الصحاري البيضاء والسوداء أكثر من مجرد ملاذ؛ فهي تُتيح منظورًا وسكينةً وصفاءً ومغامرة. بين هدير الرياح، وبريق النجوم على بحر من الكثبان الرملية، والصمت العميق الذي يليه، لا تُصبح الصحراء مجرد مكان، بل حالة ذهنية. عودة إلى نقطة البداية.
ظهرت هذه المقالة أصلا في صحيفة نيويورك تايمز.