

الشيخ فهيم القاسمي يسبح مع قرش الحوت
ظننتُ أنني أعرف ما ينتظرني: سباحة هادئة، وربما لمحة لزعنفة تشق المياه الفيروزية. لكن لا شيء هيأني لتلك اللحظة التي نظرت فيها للأسفل لأرى "قرش حوت" — بحجم حافلة صغيرة — ينزلق تحت سطح المحيط الهندي مباشرة. صامت، ضخم، ورشيق للغاية؛ جعلني أدرك مدى صغر حجمنا أمام مقاييس المحيط.
حدث هذا اللقاء مؤخراً قبالة جزيرة "جميرا ثاندا"، وهي جزيرة خاصة داخل محمية جزيرة "شونغيمبيلي" البحرية في تنزانيا. تشتهر المنطقة بالشعاب المرجانية والحياة البحرية، وتتيح للضيوف فرصة السباحة مع قروش الحوت خلال موسم الهجرة.
قبل الانطلاق، قدمت لنا "ريان لادن"، عالمة الأحياء البحرية المقيمة في الجزيرة، شرحاً وافياً: "يمكن أن يصل طولها إلى 20 متراً، لكن التي نراها هنا يبلغ طولها حوالي 8 إلى 10 أمتار، وهي لا تزال ضخمة جداً". وطمأنتنا قائلة: "إنها حيوانات مسالمة، رغم حجمها، فهي تتغذى فقط على الأسماك الصغيرة والعوالق".
انطلقنا في قاربين، تماماً مثل رحلات السفاري ولكن في قلب المحيط الهندي. كان المراقب التنزاني يقف عند المقدمة، يمسح الأفق بحثاً عن تغير في لون الماء أو ظل أو طيف ذيل. بالنسبة لنا، بدا البحر متشابهاً في كل مكان، أما بالنسبة لهم، فقد كان مليئاً بالدلالات.
أوضحت ريان أن قروش الحوت تبقى في هذه المياه بين أكتوبر وفبراير، حيث تتوفر العوالق بكثرة. ويتم تتبعها عبر أجهزة رصد صوتية وأقمار صناعية، ويتم التعرف على كل واحد منها من خلال نمط النقاط البيضاء الفريد على جسمه، "تماماً مثل بصمة الإصبع".
أعطت "مايا دي فيليرز"، مديرة العمليات في الجزيرة، تعليماتها الأخيرة: "استعدوا بزعانفكم وأقنعتكم. عندما نعطيكم الإشارة، انزلقوا في الماء بهدوء. كلما قل الضجيج، كان ذلك أفضل".
بعد حوالي 30 دقيقة، صدر صوت من الراديو وتباطأت المحركات. قالت مايا: "استعدوا.. انزلوا الآن".
في اللحظة التي لامست فيها الماء، ساد الصمت التام. نظرت للأسفل وكان هناك؛ قرش حوت ضخم يتحرك بثبات وهدوء. كان العشرات من حولنا يطفون، بالكاد يتنفسون، خوفاً من كسر هذا الصمت المهيب. لم يبالِ القرش بوجودنا، بل استمر في سباحته بوقار.
في تلك الليلة، وعلى مأدبة العشاء، تحدثنا مع الشيخ فاهم بن سلطان القاسمي، الذي انضم إلى الرحلة لتسليط الضوء على أعمال الحفاظ على البيئة التي تقوم بها "جميرا" — من إعادة تأهيل السلاحف في دبي إلى الحماية البحرية في تنزانيا. وقال: "نحن ضيوف في منزلهم، وعلينا أن نتذكر ذلك في كل مرة ندخل فيها الماء".
أظهرت لنا الأيام الخمسة في جزيرة "ثاندا" أن السفر يمكن أن يكون أكثر من مجرد راحة؛ يمكن أن يعلمنا التواضع والاحترام للعالم القابع تحت السطح. السباحة مع قرش الحوت لم تكن مجرد مغامرة عابرة، بل كانت تذكيراً بأننا في المحيط مجرد زوار.