

أدى التصعيد المفاجئ للأعمال العدائية في الشرق الأوسط والإغلاق المؤقت للممرات الجوية الرئيسية إلى توجيه ضربة قوية لقطاعي السياحة والطيران المزدهرين في منطقة الخليج، مما تسبب في توقف الرحلات الجوية عبر بعض أكثر مراكز الترانزيت العالمية ازدحاماً في العالم، وترك آلاف المسافرين عالقين.
يقول محللو القطاع إن المنطقة ولا سيما دولة الإمارات العربية المتحدة ودبي، أثبتت مراراً وتكراراً قدرة ملحوظة على التعافي من الأزمات، مما يشير إلى أن الانكماش السياحي قد يكون مؤقتاً بمجرد هدوء الأعمال العدائية.
وقد تسبب الصراع في اضطراب واسع النطاق عبر شبكة الطيران في الشرق الأوسط، مما أجبر شركات الطيران على تعليق خدماتها وإلغاء آلاف الرحلات الجوية. كما اضطرت المطارات الرئيسية، بما في ذلك مطار دبي الدولي (DXB)، ومطار زايد الدولي في أبوظبي، ومطار حمد الدولي في الدوحة، إلى وقف أو تقييد عملياتها مؤقتاً بسبب إغلاق الأجواء والمخاوف الأمنية التي أربكت مسارات السفر العالمية.
ووفقاً لمؤسسة "توريسم إيكونوميكس" (Tourism Economics)، تم إلغاء أكثر من 5,000 رحلة جوية في اليومين الأولين من الصراع، مما سلط الضوء على ضعف ممرات الطيران في الشرق الأوسط. وتمثل مطارات المنطقة حوالي 14% من حركة الترانزيت الدولية العالمية، مما يجعلها حلقة وصل حيوية بين أوروبا وآسيا وأفريقيا.
وقد ظهرت التداعيات الفورية عبر المنظومة السياحية بأكملها — من شركات الطيران والفنادق إلى منظمي الرحلات السياحية ومنظمي الفعاليات. وأبلغت الفنادق في المدن الخليجية الرئيسية عن إلغاءات من قبل السياح الدوليين، حتى وهي تستقبل المسافرين العالقين وأطقم الطيران. كما أوقف العديد من منظمي الرحلات الدولية برامجهم في الشرق الأوسط بسبب اضطرابات الرحلات الجوية وتحذيرات السفر.
وضعت "توريسم إيكونوميكس" نموذجين لسيناريوهات التعافي المحتملة بناءً على مدة الصراع:
سيناريو "الحل المبكر": إذا استمر الصراع ما بين أسبوع إلى ثلاثة أسابيع، فقد تنخفض أعداد القادمين إلى الشرق الأوسط بنحو 11% في عام 2026 مقارنة بالتوقعات السابقة، وهو ما يمثل تراجعاً بنحو 23 مليون زائر وخسارة تقدر بـ 34 مليار دولار في الإنفاق السياحي.
سيناريو "الصراع المطول": إذا استمر الصراع لمدة تصل إلى شهرين، فقد يؤدي ذلك إلى خسائر أعمق، مع انخفاض أعداد القادمين بنسبة تصل إلى 27% على أساس سنوي، وتراجع إنفاق الزوار بنحو 56 مليار دولار.
ونظرًا لاعتمادها على السفر الجوي ودورها كمراكز سياحية إقليمية، فمن المرجح أن تشهد دول مجلس التعاون الخليجي أكبر انخفاض مطلق في أعداد الزوار. ومع ذلك، يقول المحللون إن البنية التحتية القوية للمنطقة، وعروضها السياحية المتنوعة، والربط العالمي، يجب أن تسمح لها بالتعافي بسرعة نسبيًا بمجرد عودة الثقة في السفر.
وقبل اندلاع الأعمال العدائية، كان قطاع السياحة في الخليج يتمتع بواحدة من أقوى دورات نموه. ووفقاً للمركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (GCC-Stat)، بلغت إيرادات السياحة الدولية في دول المجلس 120.2 مليار دولار في عام 2024، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 39.6% مقارنة بعام 2019 وارتفاعاً بنسبة 8.9% عن عام 2023.
كما ارتفع عدد القادمين من الزوار الدوليين إلى 72.2 مليون زائر في عام 2024، متجاوزاً مستويات ما قبل الجائحة بنسبة تزيد عن 51%، مما رفع حصة دول مجلس التعاون الخليجي من السياحة العالمية إلى 5.2%. وقد تعزز هذا النمو من خلال توسيع الربط الجوي، وسياسات التأشيرات الليبرالية، والاستثمارات السياحية واسعة النطاق، وتنوع التجارب السياحية في المنطقة.
وكانت دولة الإمارات في قلب هذا التوسع، حيث برزت دبي كمركز سياحي أكثر مرونة في المنطقة بفضل شبكة طيرانها العالمية، وسياساتها الصديقة للأعمال، وعلامتها التجارية العالمية القوية.
ويقول خبراء الصناعة إن الربط الجوي الذي لا يضاهى في دبي قد يثبت أهميته القصوى في دفع عجلة التعافي السريع بمجرد رفع القيود المفروضة على المجال الجوي. ولطالما صُنف مطار دبي الدولي باستمرار كأكثر مطارات العالم ازدحاماً للمسافرين الدوليين، بينما تدير شركة طيران الإمارات واحدة من أكبر شبكات الرحلات الطويلة في العالم.
أثبت قطاع السياحة في الإمارة مراراً قدرته على التعافي من الصدمات العالمية. ففي أعقاب جائحة كوفيد-19، استعادت دبي أعداد الزوار إلى مستويات قياسية في غضون عامين من خلال حملات تسويقية قوية، وسياسات إعادة فتح سريعة، وفعاليات عالمية كبرى.
وتشير الهيئات السياحية العالمية إلى أن الأداء الأخير للمنطقة يبرز مرونتها. وقد ذكرت منظمة الأمم المتحدة للسياحة أن الشرق الأوسط كان أسرع مناطق السياحة تعافياً على مستوى العالم بعد الجائحة، متجاوزاً مستويات الزوار ما قبل الأزمة قبل أي منطقة أخرى.
كما أكد المجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC) على مسار التعافي الاستثنائي لدولة الإمارات. وقالت جوليا سيمبسون، الرئيسة والمديرة التنفيذية للمجلس، إن قطاع السياحة في البلاد قد "حلق إلى آفاق جديدة"، مدعوماً ببنية تحتية عالمية المستوى ودور الدولة كبوابة طيران عالمية.
وأضافت سيمبسون: "غالباً ما تكون السياحة محركاً قوياً للتعافي بعد الصراعات أو الأزمات"، مشيرة إلى أن الوجهات التي تتمتع بربط جوي وبنية تحتية قوية عادة ما تتعافى بشكل أسرع بمجرد عودة الاستقرار.
ويشارك المسؤولون التنفيذيون في شركات الطيران وجهة نظر مماثلة؛ حيث قال مايكل أوليري، الرئيس التنفيذي لشركة "ريان إير" (Ryanair)، مؤخراً إنه على الرغم من احتمال ضعف الطلب على السفر إلى الخليج على المدى القصير، فإن التدفقات السياحية ستتعافى في نهاية المطاف، حيث ستقوم الحكومات وشركات الطيران بتحفيز الطلب من خلال أسعار ترويجية وحملات تسويقية بمجرد عودة الاستقرار.
وتعتمد سرعة هذا الانتعاش إلى حد كبير على مدة الصراع والسرعة التي يمكن بها لشركات الطيران استعادة عملياتها. وإذا انتهت الأعمال العدائية في غضون أسابيع ورُفعت قيود الأجواء بسرعة، يعتقد المحللون أن الطلب من الزوار قد يبدأ في التعافي في غضون أشهر.
وقد يسمح نموذج السياحة القائم على الطيران في دبي لها بقيادة هذا التعافي؛ فشبكة "المركز والمحاور" لشركات الطيران في الإمارة، والمخزون الكبير من الفنادق، وجدول الفعاليات العالمي، توفر أدوات قوية لتحفيز الطلب على السفر بمجرد استئناف الرحلات.
وبعيداً عن الأزمة الراهنة، تظل الطموحات السياحية طويلة المدى للمنطقة قائمة. حيث تواصل المملكة العربية السعودية الاستثمار بكثافة في مشاريع رؤية 2030 السياحية، وتعمل قطر على توسيع بنيتها التحتية السياحية لما بعد كأس العالم، بينما تمضي الإمارات قدماً في تطوير مرافق الضيافة والرحلات البحرية والترفيه على نطاق واسع.
ويرى المحللون أنه إذا كانت الأزمات الماضية تشكل أي دليل، فإن المنطقة — بقيادة دبي بما تملكه من ربط جوي وبنية تحتية لا مثيل لهما — يمكن أن تثبت مرة أخرى أن قطاعها السياحي قادر على العودة أسرع من العديد من الوجهات العالمية بمجرد إعادة فتح الأجواء.