بيروت تحت أجنحة "أم كامل".. حياة معلقة على طنين المسيّرات وهدنة لم تُنه الحرب

بعد أكثر من عام على وقف إطلاق النار، يظل دوي الطائرات الإسرائيلية المسيرة تذكيرًا بأن الحرب، من نواحٍ عديدة، لم تنتهِ حقًا
حي متضرر في بيروت، لبنان في 1 فبراير 2026. — دييغو إيبارا سانشيز/نيويورك تايمز

حي متضرر في بيروت، لبنان في 1 فبراير 2026. — دييغو إيبارا سانشيز/نيويورك تايمز

تاريخ النشر

بينما كانت الشمس تغيب فوق البحر الأبيض المتوسط، أطلق إبراهيم عمار قطعاً من الفاكهة عبر مقلاعه لتخترق ضوء الغسق الدافئ، محفزاً سرب الحمام الخاص به للتحليق عالياً فوق أفق بيروت المتعرج. صرخ قائلاً بينما كانت الطيور تدور وتتطاير فوق رأسه: "هؤلاء هم أطفالي!".

لأجيال عديدة، كانت اللعبة المشرقية القديمة "كش الحمام" — التي يستدرج فيها مربو الحمام طيور المنافسين ويأسرونها من أسطح المنازل المجاورة — تمارس فوق العاصمة اللبنانية بيروت. فعل والد عمار الشيء نفسه من قبله، وكذلك فعل جده ووالد جده من قبل ذلك.

الآن، يشارك حمام عمار السماء مع خصم من نوع جديد: الطائرات الإسرائيلية بدون طيار (المسيّرات).

أصبحت المسيّرات فوق بيروت المعلم الأكثر حضوراً في الحملة الجوية الإسرائيلية المستمرة في لبنان ضد جماعة حزب الله المسلحة، حيث تحول طنينها الميكانيكي إلى "موسيقى تصويرية" متقطعة للحياة اليومية. فهي تقتحم المكالمات الهاتفية، والعشاء العائلي، والمواعيد الأولى، بالإضافة إلى حفلات الأسطح، والدروس المدرسية، والأيام على الشاطئ.

الصوت ثابت ومعدني، يشبه أنين البعوض الذي يحوم على حافة السمع، ومن المستحيل تجاهله.

بعد أكثر من عام على وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب الأكثر دموية منذ عقود بين إسرائيل وحزب الله، لا يزال السكان يشرئبون بأعناقهم نحو السماء بينما يهتز الطنين الذي لا يهدأ عبر المدينة — في تذكير بأن الحرب، من نواحٍ كثيرة، لم تنتهِ أبداً.

قُتل مئات الأشخاص، كثير منهم مدنيون، في غارات جوية إسرائيلية منذ توقيع الهدنة، وفقاً لمسؤولين لبنانيين والأمم المتحدة. ومع تكثف تلك الهجمات في الأشهر الأخيرة، اتخذ طنين المسيّرات طابعاً أكثر حدة وسط مخاوف من هجوم إسرائيلي جديد.

قال عمار، الذي فر من منزله خلال الحرب وترك كل حمامه الـ 220 في رعاية صاحب متجر في الطرف الآخر من المدينة: "أنا دائماً قلق بشأن الوضع وأفكر فيما إذا كانت الحرب ستبدأ مرة أخرى". وأضاف من فوق سطحه وهو يداعب أحد الطيور بلطف بينما ينظر إلى مبنى سكني مجاور سوي بالأرض جراء غارة جوية إسرائيلية: "آتي إلى هنا لأنسى كل شيء، لكن الحمام يمكنه رؤية المسيّرة والشعور بها، حتى لو كانت بعيدة جداً".

تقول قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة إنها سجلت أكثر من 7,500 انتهاك جوي — بما في ذلك المسيّرات والطائرات المقاتلة — في السنة التي تلت دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وقد زادت توغلات المسيّرات في الأشهر الأخيرة. وتُستخدم المسيّرات فوق بيروت في المقام الأول للمراقبة، لكن الكثير منها مسلح وقادر على تنفيذ ضربات، وفقاً لمسؤولين أمنيين لبنانيين.

ولم يستجب الجيش الإسرائيلي لطلبات التعليق حول سبب استمراره في تسيير الطائرات بدون طيار فوق العاصمة اللبنانية رغم الهدنة. وكان مطلوباً من حزب الله نزع سلاحه في جميع أنحاء البلاد بموجب الاتفاق، لكن إسرائيل اتهمت الجماعة بإعادة بناء قدراتها العسكرية. وتقول إسرائيل إنها تستهدف عناصر حزب الله ومستودعات الأسلحة، مع اتخاذ خطوات للتخفيف من الضرر الذي يلحق بالمدنيين.

لقد بلغت شهرة هذه الطائرة حداً جعل اللبنانيين يطلقون عليها لقباً: "أم كامل"، وهو اسم شائع في لبنان وتلاعب لفظي بموديل المسيّرة الإسرائيلية "MK". إنه صوت تعلم اللبنانيون تمييزه على مر سنوات من الصراعات المتكررة؛ حيث تحلق الطائرة غالباً لساعات متواصلة قبل أن تسكت — تراقب، تستمع، وأحياناً تمطر الصواريخ من السماء.

كما أصبحت المسيّرة موضوعاً للفكاهة السوداء على الإنترنت، مما يعكس ألفة يائسة مع آلة لا يمكن التنبؤ بأفعالها، ومن ذلك:

  • "يا أخي، أليست لهذه الـ MK عائلة تسأل عنها؟"

  • "يا أم كامل، اذهبي لتناول الغداء — نريد أن ننام."

  • "لقد مر يومان منذ ظهور أم كامل.. اشتقنا لكِ."

وعلى طول الحدود الجنوبية المدمرة مع إسرائيل، حيث يسيطر حزب الله منذ فترة طويلة، تكاد الضربات تكون يومية، وتبث المسيّرات تحذيرات للسكان عبر مكبرات الصوت.

لكن في بيروت، تستمر الحياة تحت المراقبة. وقف ماهر يونس، وهو عامل توصيل طعام، أمام مطعم كباب في الحي، وأطفأ محرك دراجته النارية ونظر إلى السماء، بينما لا يزال هاتفه يضيء في يده. قال وهو يهز كتفيه: "عندما تكون فوق رؤوسنا، قد يجن جنون نظام الـ GPS أحياناً. تتوقف ببساطة عن النظر إلى الخريطة وتبدأ في سؤال الناس عن الاتجاهات".

أما علي سلمان (39 عاماً)، صاحب متجر صغير، فكان أقل تفاؤلاً، وبالكاد استطاع التركيز في عمله مع طنين المسيّرة في الأعلى. قال: "أظل أفكر في زوجتي وابني في المنزل. إنه واحد من أسوأ المشاعر؛ أن تعرف أن شخصاً ما يراقبك في بلدك، في منزلك — الأماكن التي من المفترض أن تشعر فيها بالأمان".

وجد آخرون طرقاً للرد. في استوديو التسجيل الخاص به في ضواحي بيروت، جلس محمد شقير، منسق الأغاني (DJ) اللبناني ومؤسس أحد أشهر النوادي الليلية في المدينة، منحنياً فوق أجهزة "السينثيزر" وشاشات الكمبيوتر بينما كانت مسيّرة تدور في الخارج.

خلال ذروة الحرب، قام بتثبيت ميكروفونين على سطح المبنى الذي يسكن فيه وسجل أكثر من 200 ساعة من الطنين الرتيب للمسيّرة. كانت الخطة بسيطة: تحويل هذا الصوت إلى آلة موسيقية بحد ذاتها — في فعل خفي من التحدي. ابتكر ما سماه "الآلة الجوية غير المأهولة" (في تلاعب بمصطلح "الطائرة الجوية غير المأهولة" أو المسيّرة)، والتي تتيح للمنتجين أخذ عينات من تسجيلات المسيّرات وتحويلها إلى موسيقى.

قال شقير بابتسامة: "إنه أمر مريح أن أشعر أنني أتحكم بالصوت الذي يزعجني كل يوم. إذا كنت تنوي إخافتي، فسأريك عكس ذلك".

لكن لا يمتلك الجميع القدرة على الرد. في الجانب الآخر من المدينة، تصطف رسومات ملونة في غرفة الانتظار في عيادة نورا ساحلي المجتمعية، حيث تقدم العلاج لبعض الشباب الأكثر ضعفاً في المدينة. وقالت إن المسيّرة تتسلل إلى كل جزء من يوم الطفل: المشي إلى المدرسة، اللعب في الشارع مع الأصدقاء، محاولة التركيز في الواجبات المدرسية.

حتى جلساتها العلاجية تُقطع أحياناً، حيث يندفع الأطفال فجأة إلى النافذة لمحاولة لمح طائرة فوق رؤوسهم. تساءلت نورا: "هل هذا طبيعي خلال جلسة علاج؟ إنهم يعرفون ماهية هذا الصوت، لا يمكنك الكذب عليهم".

وأضافت أن العبارة التي تتردد كثيراً بأن اللبنانيين "صامدون" لها حدود. وقالت: "يقولون إننا شعب صامد، لكن هل نحن كذلك؟ هل نحن صامدون إذا كانت أجسادنا دائماً في حالة تأهب قصوى؟".

ظهر هذا المقال في الأصل في صحيفة نيويورك تايمز.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com