

في زمن تهيمن فيه التكنولوجيا وشاشات الأجهزة الذكية على تفاصيل حياتنا، يظل الخط العربي واحدًا من الفنون التي تقاوم الاندثار، مستندًا إلى جمالياته الفريدة وارتباطه الوثيق بالهوية العربية والإسلامية. فالحروف التي خُطّ بها القرآن الكريم ليست مجرد وسيلة للتدوين، بل إرث حضاري وروحي وفني خالد.
في محاولة لرسم صورة متكاملة عن هذا الفن العريق، التقت "خليج تايمز" بالأستاذ نبيل حسين الغانم، الخطاط الذي كرّس حياته للحروف، وبالطالبة ميرة التي تمثل الجيل الجديد بشغفها وطموحها. كانت الحروف بينهما جسرًا يربط خبرة الماضي بآمال المستقبل.
بدأ الأستاذ نبيل الغانم حديثه مستعيدًا ذكرياته الأولى مع الحروف، حيث وجد متعة خاصة في مراقبة جمالها وتناسقها منذ الصغر، ليتحول هذا الشغف مع مرور الوقت إلى رسالة وهوية. أتقن الأستاذ نبيل عدة خطوط أبرزها الثلث، الديواني، النستعليق، الرقعة، النسخ والجلي ديواني، لكنه يرى أن لخط الثلث مكانة مميزة في قلبه لما يحمله من جلال وهيبة، ولأنه يتيح مساحة واسعة للإبداع.
ويؤكد أن ما يميز الخط العربي عن غيره هو روح الحرف، قائلًا: "الحرف العربي يتنفس وكأنه كائن حي، يتمدد وينحني، بينما تبقى معظم الخطوط الأخرى مجرد أدوات للكتابة". ويرى أن هذا الارتباط الروحي جعل الخط العربي رمزًا للهوية، إذ ارتبط منذ نشأته بالقرآن الكريم، فصار وعاءً حضاريًا يحفظ التراث وينقل القيم الروحية والجمالية للأجيال.
من أبرز الصعوبات التي تواجه المبتدئين، يوضح الأستاذ نبيل أن "أصعب ما يواجه المتعلم هو الصبر على التمرين وضبط المقاييس الدقيقة، إضافة إلى إتقان مسك القلم التقليدي. كثيرون يظنون أن الخط يُتقن بسرعة، لكنه في الحقيقة يحتاج إلى تدريب طويل ومثابرة".
وعن تأثير التكنولوجيا، يقسم رأيه إلى شقين: "الجانب الإيجابي هو أنها ساعدت في نشر الخط على نطاق واسع ووفرت أدوات رقمية تسهل التصميم، أما الجانب السلبي فهو اعتماد الأطفال المفرط على الكتابة عبر الأجهزة منذ الصفوف الأولى، ما أضعف مهاراتهم اليدوية". ويختتم نصيحته للشباب بالقول: "الخط لا يُتقن بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى صبر ومثابرة، والاطلاع على نماذج الأساتذة القدامى، ليكون الابتكار لاحقًا قائمًا على قاعدة متينة".
على الطرف الآخر من المشهد، تحكي الطالبة ميرة عن تجربتها البسيطة مع الخط، التي بدأت منذ مقاعد الروضة، بتشجيع من والدتها التي كانت دائمًا بجانبها. "كنت أشارك في مسابقات المدرسة منذ الصف الثاني، وحصلت على المركز الأول، وهذا زاد حبي للخط"، تقول ميرة.
اليوم، تتدرب ميرة على خط الرقعة، وتعتبر أن أصعب ما واجهته هو المحافظة على الصبر والدقة. "كنت أكرر كتابة الكلمة مرات عديدة حتى تخرج بالشكل الصحيح، رغم شعوري بالتعب، لكنني كنت أصر على المحاولة"، تضيف بابتسامة يملؤها الطموح: "أريد أن أتعلم أنواعًا جديدة من الخطوط، وأن أستمر في تحسين خطي حتى يكون مصدر فخر لي".
لم يكن لشغف ميرة أن يستمر لولا الدعم الذي تلقته من أسرتها. فوالدتها ترى أن الخط له أثر كبير على شخصية ابنتها، حيث "يعطيها ثقة أكبر بنفسها، ويعلمها الصبر والدقة والهدوء عند الكتابة". أما والدها، فكان له دور بارز في تشجيعها على الالتحاق بالدورات، بصفته المعيل الوحيد والداعم الدائم للأسرة.
على الرغم من اختلاف التجربتين - الأستاذ الذي يرى في الخط هوية ورسالة، وميرة التي تتلمس خطواتها الأولى بشغف طفولي - إلا أن كليهما يتفق على أن هذا الفن باقٍ ومتجدد.
فالخط العربي، كما يؤكد الأستاذ، محمي بقدسيته المرتبطة بالقرآن الكريم، بينما يراه جيل ميرة مصدر فخر وتميز شخصي. وبين هذين البعدين، يظل الخط العربي فنًا نابضًا بالحياة، وجسرًا يربط الأجيال، يعلّمها الصبر، ويمنحها شعور الانتماء والأصالة.