علي فؤاد..عدسة إماراتية ترصد الماضي بجرأة المستقبل

مخرج "سلم" يكشف عن رحلته من شغف الطفولة إلى توثيق الهوية، مؤكداً أن الصدق هو جواز السفر الحقيقي للعالمية.
في الوسط: المخرج السينمائي علي فؤاد

في الوسط: المخرج السينمائي علي فؤاد

تاريخ النشر

في عالم تتسارع فيه وتيرة الأحداث وتتداخل فيه الثقافات، تبرز السينما كجسر يعبر عن الذات ويلامس الآخر، من هذا المنطلق يأتي صوت المخرج الإماراتي الشاب علي فؤاد، ليحكي قصة شغف سينمائي بدأ بسؤال طفولي عن غياب هويتنا في الأفلام العالمية، وتطور ليصبح مشروعاً فنياً وطنياً يوثق التراث ويحمل رسائل إنسانية عميقة، وفي هذا الحوار مع "الخليج تايمز" الملهم، يأخذنا في رحلةٍ من مقاعد الدراسة الأكاديمية إلى تحديات الميدان الصعبة.

تكامل الأكاديمية والخبرة الميدانية

لا أُنكر أبداً أن الدراسة الأكاديمية كانت البوصلة التي ضبطت نظرتي السينمائية، فالجامعة هي التي تضعك أمام القواعد الرصينة وتاريخ الفن العريق، وتجبرك على التحليل العميق للأفلام حتى تصل لمرحلة الإشباع البصري. لكن، وبكل صراحة، للميدان أحكامٌ أخرى. الجامعة تمنحك الأساس، لكنها لن تُعلمك كيف تدير أزمة طارئة أثناء التصوير، أو كيف تقود فريق عمل وسط ظروف ميدانية قاسية. لذا، أؤمن تماماً بأن الخبرة والممارسة توازيان الشهادة الجامعية في الأهمية.

التساؤل الوجودي وبداية الشغف

منذ نعومة أظفاري، كانت السينما العالمية والأمريكية تحديداً هي نافذتي للخيال. لكن كان هناك سؤال وجودي يطاردني دائماً: لماذا تفتقر منطقتنا لأعمال تضاهي هذه الجودة وتعبر في الوقت ذاته عن كينونتنا؟ من رحم هذا التساؤل، ولدت تلك الشعلة التي دفعتني لولوج عالم الإخراج؛ كنت أبحث عن سينما تشبهنا، تحكي قصصنا بلساننا نحن.

"الوثائقي" ليس مجرد فيلم.. إنه واجب وطني

أرى الأفلام الوثائقية تحدياً كبيراً، لكنها في جوهرها ضرورة قصوى وواجب وطني يهدف لتأصيل التراث وصونه بصرياً كإرث للأجيال القادمة. ورغم أن العمل الوثائقي يتسم بصعوبة بالغة تفوق غيره، إلا أن قيمته المعنوية أسمى. لذا، أحاول دائماً خلق توازن دقيق بين مشاريعي التجارية وأعمالي الوثائقية؛ فالأولى توفر التمويل اللازم لأتمكن من إنتاج الثانية بكل جودة.

استحضار الماضي بعيون مستقبلية

الحنين إلى الماضي هو أحد الركائز الأساسية في لغتي السينمائية، ومع أن معظم هذا الماضي لم أعشه بجسدي، إلا أنني استقيته من ذاكرة أجدادي، وأحمل في داخلي حباً عظيماً لذلك الزمن الجميل. ما يميز أفلامي هو محاولة نقل هذا الإرث برؤية مستقبلية؛ أوظف أحدث التقنيات المعاصرة في التصوير والإخراج، مع الحفاظ على روح القصة الأصيلة دون تشويه.

تجربة "رؤوس الجبال": حين يمتزج العمل بالكرم

في فيلمي الأخير، كان التعامل مع تاريخ وثقافة قبيلة "الشحوح" وقبائل "رؤوس الجبال" يضع على عاتقي مسؤولية جسيمة، فتوثيق عاداتهم لم يكن يسيراً، لكننا وجدنا منهم ترحيباً استثنائياً. لقد سمحوا لنا بمعايشة تفاصيل حياتهم، واصطحبونا في رحلات إلى مواطنهم الوعرة، وكانوا شركاء حقيقيين في طاقم العمل. أقولها بصدق: جزء كبير من نجاح هذا الفيلم مدينٌ لتعاونهم وكرمهم.

العالمية تبدأ من "الداخل"

في السينما يمكنك استخدام أرقى التقنيات العالمية، وهذا ما فعلناه في فيلم 'سلم' الذي يتأهب للمشاركة في مهرجانات دولية. ومع ذلك، يظل رهاني الحقيقي على 'الهوية المحلية بنسبة 100%'. أنا لا أشغل بالي بسؤال: 'هل سيكون الفيلم عالمياً؟'، بل أركز على كونه حقيقياً وصادقاً في عكس بيئتنا. فالعمل كلما غرق في الأصالة والواقعية، وجد صدىً لدى العالم أجمع. الصدق هو التذكرة الحقيقية.

العاطفة كجسر عابر للغات

في تقديري، تكمن قوة أي قصة في قدرتها على ملامسة الجانب الإنساني، بغض النظر عن جنسية المشاهد، فالمشاعر والعواطف هي القوة القادرة على اختراق حاجز اللغة، وهذا تحديداً ما أراه يميّز أعمالي، فهي تخاطب القلب قبل العقل، وتنقل فيضاً من الأحاسيس المرتبطة بالبيئة والتراث قبل أن تسرد المعلومات الجافة. فالقصة التي تمس الوجدان، تستحق أن تُروى سينمائيا.

من مقاعد المتفرجين إلى منصة التتويج

مشاركتي في مهرجان 'فن رأس الخيمة' لها أثر معنوي عميق؛ فقد كنت أرتاد هذا المهرجان منذ كنت طالباً، وكان يراودني حلم بأن أرى لي عملاً يُعرض على شاشته. واليوم، لم يُعرض الفيلم فحسب، بل تُوجت بجائزة أفضل فيلم وثائقي. هذا النجاح هو نتاج بيئة حاضنة توفرها لنا قيادتنا الرشيدة، التي تجعل كل صانع أفلام إماراتي اليوم يشعر بأنه شخص محظوظ.

 فلسفة العمل: الإخلاص يسبق الطموح بالجوائز

رغم توفيقي بالمشاركة في مهرجانات محلية ودولية وحصد العديد من الجوائز، إلا أنني أؤكد أن التفكير في الجوائز لا يراودني أبداً خلال مراحل التحضير أو الإنتاج. وينصب تركيزي بالكامل على الفيلم ذاته، كيف أنقل رسالته بأمانة، وكيف أكون صادقاً مع رؤيتي الفنية وأبذل قصارى جهدي للمشروع، وبفضل هذا الصدق والإخلاص، تأتي النتائج والمكافآت، وأحياناً تفوق سقف توقعاتي، حتى وإن لم تكن هي الغاية الأساسية في البداية.

رسالة شكر وامتنان

تحظى صناعة الأفلام في الإمارات بدعم مستمر وسخي من قيادتنا الرشيدة، وأعتقد أن كل صانع أفلام إماراتي اليوم هو شخص محظوظ بهذا الاهتمام الذي يتجسد في المنح والمهرجانات والبيئة الحاضنة. وأود رفع أسمى آيات الشكر والتقدير لقيادتنا على هذا الدعم الكبير، الذي كان المحرك الأساسي وراء ما حققناه من نجاحات وإنجازات.

رسالة إلى الطامحين في السينما الوثائقية

أشجع كل شغوف بعالم السينما على خوض تجربة الأفلام الوثائقية، فهي تحمل قيمة ورسالة سامية رغم صعوبتها البالغة التي قد تتخطى الأفلام الروائية. يعتمد هذا الفن على العثور على شخصيات حقيقية قادرة على تجسيد القصة بصدق، وستواجه خلال الرحلة تحديات جمة. ولكن، فور تجاوزك لتلك العقبات وإنجاز العمل، ستشعر بمتعة وفخر لا يوصفان لأنك نجحت في توثيق لحظات ستظل حية وتتناقلها الأجيال القادمة.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com