عبد الله لطفي.. حكاية "صمتٍ" صار صوتاً للعالم

فنان التوحد الذي أبكى التنمر بجمال ريشته: "نحن لا نحتاج لألوانكم كي نُبدع، نحن فقط نحتاج لقلوبكم كي نعيش"
الرسام عبد الله لطفي. تصوير: غراس تاج الدين

الرسام عبد الله لطفي. تصوير: غراس تاج الدين

تاريخ النشر

بين صمت الطفولة وبياض الورق، نمت حكاية إنسان لم تكن الكلمات يوماً هي لغته الأولى، بل كانت الخطوط السوداء هي صوته الذي اخترق جدار الصمت ليخاطب العالم. عبد الله لطفي، الفنان الإماراتي الذي رأى في اللونين الأبيض والأسود وطناً يتسع لأحلامه، لم يكتفِ بتطويع "التوحد" بالريشة، بل جعل من 'اختلافه' علامة تجارية عالمية تُبهر السياح وتتزين بها أروقة متحف المستقبل. في هذا البوح الصادق للخليج تايمز يفتح عبد الله قلبه ليحكي لنا كيف حوّل ندوب التنمر إلى جداريات عملاقة، وكيف تحول القلم في يده إلى جسرٍ من الأمل، مؤكداً أن العجز ليس في غياب الكلام، بل في غياب القلوب التي تبصر الجمال.

أولا شاهد واستمع إلى رسالة الرسام عبد الله لطفي التي وجهها إلى العالم بخصوص المصابين بالتوحد:

عندما كان الرسم هو لغتي الوحيدة

ويقول لطفي: حسناً قبل كل شيء، أنا فنان اللونين الأبيض والأسود، وهذا هو تخصصي وشغفي. ربما تتساءلون كيف عرفتُ أنني أحب الرسم؟ الحكاية بدأت منذ ولادتي. في الماضي، أخذتني والدتي إلى سيدة معالجة في المملكة المتحدة، وقالت تلك المرأة لوالدتي إنني مصاب بالتوحد.

في ذلك الوقت، لم أكن أتحدث كثيراً، كنتُ عاجزاً عن الكلام تماماً. ولكن، هل تعرفون كيف كنتُ أتواصل مع والديّ؟ كنتُ أفعل ذلك من خلال الرسم؛ فقد كان قلمي هو صوتي الوحيد. لاحقاً، وبما أنني كنتُ أعشق مشاهدة الرسوم المتحركة ولعب الألعاب الإلكترونية، بدأتُ أتعلم الكلام تدريجياً وأصبحتُ جيداً في ذلك.

(يتوقف عبد الله قليلاً، ينصت لصوت أطفال يصرخون في الخلفية، ثم يبتسم بهدوء): معذرة، من الصعب التحدث عندما يصرخ الأطفال، الأطفال المصابون بالتوحد يصرخون أحياناً، لكن لا بأس، هذا هو التوحد، حتى بالنسبة لي، نحن جميعاً فريدون ومميزون بطريقتنا.

ندوب التنمر.. "نحن نملك قلوباً"

بالعودة إلى أيامي الخوالي، أتذكر بوضوح أول يوم لي في المدرسة. كان الأطفال يحدقون بي باستمرار بسبب "الاختلاف" الذي وُلدتُ به. ثم بدأوا في مضايقتي والتنمر عليّ، في تلك اللحظات لم يكن لديهم قلب ليشعروا به.

كان الأمر يفطر قلبي، ليس لي فقط، بل لأي شخص، خاصة من يعاني من التوحد. ولكن الآن، تغيرت الأمور وأصبحوا يتقبلوننا كما نحن؛ لأن المعلمة فكرت في الأمر ملياً، وأدركت أننا مصابون بالتوحد بسبب اختلافنا فقط. على أي حال، هذه هي قصتي حول كيف يولد المصابون بالتوحد وكيف يواجهون العالم.

سر الانحياز للأبيض والأسود

لقد تعلمتُ الرسم في الفصل الدراسي تحديدا في في دروس الفن المخصصة للطلاب، وهناك كانت المرة الأولى التي أمسك فيها الريشة بجدية. في البداية، اعتدتُ الرسم بالألوان، ولكنني توقفتُ عن ذلك تماماً، لأن الألوان كانت تضغط عليّ كثيراً وتصيبني بالإرهاق البصري والنفسي.

قررتُ حينها أن أرسم باللونين الأبيض والأسود فقط، واستخدمتُ قلم الرصاص لأول مرة، وخرجت النتيجة جميلة جداً ومريحة لروحي. ومن هنا قررتُ أنني أحب هذا النمط أكثر من الألوان.

بعدما تخرجت من المدرسة، قرر والداي أن يأخذاني إلى استوديو فنون للبالغين ذوي الاحتياجات الخاصة، لم يأخذني والداي إلى الجامعة لأنني لا أملك ما يتطلبه الأمر أكاديمياً، وأنا أتفق معهم في ذلك؛ فمن الأفضل أن أكون في مكان يشبهني.

وهناك، حدث التحول الأكبر في حياتي؛ قابلتُ معلمتي الأولى، الآنسة "جولشن كافارانا". كانت تساعدنا في ممارسة الفن، وهي من شجعتني على الرسم بالأبيض والأسود، معها شعرتُ بأنني أنتمي إلى ذلك المكان أكثر من انتمائي للأشخاص الطبيعيين. هي من علمتني كيف أستخدم "الماركر" (قلم التحديد)، وعندما فعلتُ ذلك، كانت النتيجة مثالية تماماً، وهكذا أصبحتُ فناناً بالأبيض والأسود للمرة الأولى، وسأستمر في هذا الفن لأنه أسلوبي الخاص، إنه شغفي.

"الفصل التالي": من الجائحة إلى العالمية

منذ أن تم إغلاق استوديو "مواهب" بسبب جائحة كوفيد، قرر والداي ومعلمي الجديد مساعدتي في افتتاح الأستوديو الخاص بي، والذي أطلقت عليه اسم (الفصل التالي - The Next Chapter). هو موجود هنا في منطقة الفهيدي، فيلا 10 في الحي التاريخي.

هناك أعمل على جميع أعمالي الفنية المخصصة، وأقوم بكل ذلك من أجل شركتي. وعندما يأتي السياح لرؤية مرسمي، يفتتن معظمهم بعملي، وهذا هو المكان الذي حقق نجاحاً كبيراً بالنسبة لي. كوني فناناً يرسم باللونين الأبيض والأسود هو عملي الآن، وأنا أرسم وأبيع لأكسب رزقي.

شركائي في النجاح.. من "آبل" إلى "المطار"

أنا أنشر أعمالي على إنستغرام ومنصات التواصل الاجتماعي. وعندما تأتي بعض الشركات لزيارتي ويرون أعمالي ويحبونها، يبدأون في طلب تنفيذ أعمال فنية بتكليف خاص (Commission work) لصالحهم. يعطونني التوجيهات (The briefs) ونقوم بتحليلها، ثم أقوم بإضافة ما يريدون مباشرة بلمستي الخاصة. وعندما يشاهدون النتيجة النهائية، يحبونها كثيراً، ومن هنا بدأت شهرتي مع الشركات الكبرى.

على سبيل المثال، قمتُ بأعمال بتكليف خاص لكل من: شركة آبل العالمية، وإعمار، وناندوز، وجازيبو، وريسيرفوير ووتش.

كما أقوم بتنفيذ تكليفات خاصة لمناسبات مثل رمضان، والعيد، ورأس السنة. حتى أنني أقوم بالرسم الحي (Live painting) في فعاليات كبرى مثل "إكسبو". لقد تعاملتُ مع شركات متعددة، وآخر مشروع ضخم قمتُ به كان لمطار ضخم يمتد لـ 45 متراً، حيث طبعوا أعمالي الفنية ليراها السياح، لكنه مغلق الآن لبعض الأسباب. لكن لا بأس، فذلك للأفضل، فما زلتُ فناناً مشهوراً وما زلتُ أعمل مع جهات متعددة.

الفن الرقمي: ذكاء اصطناعي بروح بشرية

أحياناً، عندما أريد المساعدة، أستخدم الذكاء الاصطناعي. لقد علمني مرشدي كيفية استخدامه في أعمالي الفنية الرقمية، فهناك تطبيق يساعدني كثيراً. كنتُ أرسم على اللوحات القماشية (Canvases) فقط، ولكن الآن بما أننا في المستقبل، يمكنني القيام بفن مستقبلي رقمي، وإرسال الرسومات للشركات عبر الإنترنت.

أقوم أيضاً بتكليفات فنية لـ "متحف المستقبل"، وأبيع بضائعي هناك وفي الاستوديو الخاص بي؛ مثل زجاجات المياه، والقبعات، وسلاسل المفاتيح. السياح يحبون رؤية أعمالي هناك ويقولون بذهول: "من رسم هذا؟ هذا يبدو مذهلاً، من صنع هذا هو فنان مشهور جداً، يجب أن أقابله". وهذا يسعدني كثيراً.

رسالتي الأخيرة: "أحبوهم برعاية وأمل"

رسالتي أريد أن أوجهها لجميع االناس في كل أنحاء العالم، من فضلكم، لا تنمروا على الأشخاص المصابين بالتوحد. أحبوهم كما هم، بغض النظر عن مدى الاختلاف الذي وُلدوا به، حتى بالنسبة لي. أريد فقط من الناس أن يتقبلوهم، ويحبوهم، ويدعموهم، ويعطوهم الأمل والقوة ليعيشوا حياتهم، لأننا جميعاً بشر، وبغض النظر عن اختلافنا عند الولادة، طالما أننا جميعاً بشر، فنحن جميعاً لدينا قلوب.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com