عبد الله خوري..رحلة من قصاصات الطفولة إلى "الذهب الكبير" في عالم الطوابع

فلسفة رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات لهواة جمع الطوابع في تحويل الطابع من ورقة بريدية إلى وثيقة تاريخية عابرة للزمن.
عبد الله خوري

عبد الله خوري

تاريخ النشر

في عالمٍ يتسارع نحو الرقمنة وتذوب فيه المسافات بضغطة زر، لا يزال هناك من يرى في "طابع البريد" الصغير نافذةً واسعةً تطلُّ على تاريخ الأمم وأمجاد الشعوب، فالطابعُ ليس مجرد قصاصة ورقية لسداد رسوم رسالة، بل هو "وثيقة سيادة" و"سجلٌّ حضاري" يحفظ تفاصيل الزمان والمكان.

التقت الخليج تايمز بشخصية لم تكتفِ بجمع الطوابع كشغفٍ عابر، بل اتخذت منها منهجاً للتوثيق ووسيلةً لرفع اسم الإمارات في المحافل الدولية، عبد الله خوري، رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات لهواة جمع الطوابع، الرجل الذي حوّل ألبومات الطفولة البسيطة إلى دراسات احترافية نالت أرفع الأوسمة العالمية، ليثبت أن وراء كل طابع حكاية وطن، وخلف كل ختم بريدي رحلة استكشاف لا تنتهي.

بدايات الشغف.. جيل القصاصات والألبومات البسيطة

يرى عبد الله خوري أن حكايته مع الطوابع هي حكاية جيل بأكمله؛ جيل لم يكن يملك ترف الخيارات الرقمية المعاصرة، فكانت الرياضة والمراسلات وجمع الطوابع هي العالم بأسره. بدأت الرحلة ببراءة الطفولة، حيث كان الجمع عشوائيًا يعتمد على قص الطوابع من الأظرف التجارية ولصقها في ألبومات متواضعة، لكن الشرارة الحقيقية كانت في منزل والده -رحمه الله- الذي كان يمتلك مجموعة عالمية منظمة، ورغم صغر سنه آنذاك وتحذيرات والده من العبث بها، إلا أن مشهد ترتيب تلك الطوابع غرس في وجدانه بذور الشغف التي نمت لاحقًا.

من الانقطاع إلى الاحتراف.. أولمبياد شطرنج دبي 1986 نقطة التحول

بعد سنوات من الانشغال بالدراسة الجامعية التي أدت لتوقفه تمامًا عن الهواية، بل والتخلي عن مجموعاته القديمة، جاءت لحظة العودة في عام 1986. كان ذلك خلال أولمبياد الشطرنج في دبي؛ حيث كان يرافق صديقاً له يمثل فريق الإمارات هناك، وجذبت منصة بريد الإمارات بإصداراتها الفنية المتميزة انتباهه يومًا بعد يوم، لتتحول الهواية من "جمع عشوائي" إلى "مسار احترافي". هذا التحول تبلور لاحقًا مع تأسيس جمعية الإمارات لهواة الطوابع في أواخر التسعينيات، لتبدأ مرحلة الالتزام بالمعايير الدولية والمشاركة في المحافل العالمية.

فلسفة الاحتراف.. الطابع كوثيقة تاريخية لا مجرد ورقة

يفرق خوري بدقة بين الهواية العابرة والاحتراف؛ ويقول: المحترف لا يقتلع الطابع من ظرفه، بل يعتبر ذلك "جريمة" في حق المادة البريدية. الاحتراف يعني دراسة الأخطاء الطباعية، وتدرجات الألوان، والبروفات الأولية، وفهم "التاريخ البريدي" الذي يتتبع مسارات الرسائل وتعرِفتها المادية. المحترف يقرأ في ختم البريد قصة رحلة الرسالة من من بلد لآخر، في زمن لم تكن فيه الخطوط مباشرة، ويحلل دلالات الأختام والمحطات التي مرت بها، محولاً الهواية إلى دراسة أكاديمية وتاريخية موثقة.

تعدد المسارات.. من "عالم الأسماك" إلى "الطوابع المالية"

يستعرض خوري مجالات التخصص في هذا العالم، ويشير إلى "هواية المواضيع" التي تجمع الطوابع بناءً على مواضيع معينة كالطيور أو الفضاء أو حتى "حراس المرمى" في كرة القدم. كما يسلط الضوء على "الطوابع المالية" التي سبقت البريدية في الوجود، ورغم ندرتها وصعوبة اقتنائها، خاصة في الإمارات، إلا أنها تمثل ركنًا أساسيًا للهواة المتخصصين، مؤكدًا أن العرض الاحترافي قد يركز على طابع واحد فقط ليشرح تاريخه وتطوره في ثماني صفحات كاملة.

رحلة العشرين عامًا نحو الذهب.. قصة عرض "طوابع أبوظبي"

يرتبط خوري وجدانيًا بعرضه الخاص عن "طوابع أبوظبي" الذي يغطي فترة الإمارات المتصالحة وصولاً إلى قيام الاتحاد. ويقول: هذا العرض يمثل مسيرة إصرار شخصية؛ فبعد حصولي على نتائج متواضعة في بداياتي عام 1999، كدت أن أنسحب لولا نصيحة خبير أسترالي حفزني على التحدي. واستغرق مني الأمر عشرين عامًا من البحث والتطوير والتعديل المستمر ليترقى عرضي في المحافل الدولية من الميدالية البرونزية حتى نلت "الذهبية"، وبعدها بخمس سنوات حصلت على "الذهب الكبير" هو أعلى تصنيف دولي، وبرهنت بذلك على ندرة وقيمة التاريخ البريدي للمنطقة.

الاستثمار في الطوابع.. ادخار ثقافي قبل أن يكون ماديًا

حول جدوى الهواية كمشروع مالي، يوضح خوري بوضوح: "من يريد الاستثمار عليه البحت عن مجال آخر غير الطوابع"، ورغم أن قيمة المجموعات النادرة تتضاعف مع الزمن، إلا أن المحرك الأساسي يجب أن يكون الشغف والثقافة. فالهواية هي "ادخار ثقافي"؛ حيث يكتشف الهاوي بعد سنوات طويلة أن شغفه قد تحول إلى ثروة مادية دون أن يكون ذلك هو الهدف الأول.

دبي 2026.. عاصمة العالم في "أولمبياد الطوابع"

يتحدث خوري بفخر عن المعرض الدولي المرتقب في دبي، واصفًا إياه بالحدث غير المسبوق. بمشاركة 76 دولة، ويقول: يحطم المعرض الأرقام القياسية العالمية السابقة في مشاركة الدول التي كانت 65 دولة. بالإضافة إلى 450 عارضاَ من مختلف دول العالم، حيث يقام لأول مرة في المنطقة العربية وغرب آسيا، هذا التجمع ليس مجرد عرض للطوابع، بل هو ترويج سياحي وثقافي للدولة؛ حيث يسعى الزوار الدوليون لاستكشاف معالم الإمارات من متحف اللوفر إلى جبال رأس الخيمة، بينما يمثل المعرض فرصة لتعريف العالم بعراقة دبي وتاريخها من خلال "القطع الصغيرة" التي جابت المعمورة.

تحدي التوثيق ورسالة للشباب.. الاستمرارية في العصر الرقمي

يقر خوري بأن التحول الرقمي قلص وجود البريد الشخصي، لكنه لم يلغِ الطابع الذي ظل رمزاً للسيادة والوزن الثقافي. ويؤكد أن الجمعية تبذل جهودًا كبيرة لاستقطاب الشباب، ويصف العام الماضي بـ "سنة التوثيق" بعد صدور أربعة كتب لأعضاء الجمعية لتوثيق الطوابع الوطنية، داعيًا الجيل الجديد للاعتزاز بتاريخهم وانتمائهم، وزيارة المعرض ليروا كيف يمكن لقصاصة ورق صغيرة أن تختصر قصة وطن وبناء حضارة.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com