صفية الحبسي... أنامل ترسم الزمن وتعيد نبض التراث على جدران أبوظبي

إبداع يزين أبوظبي: قصة فنانة تجمع بين أصالة التراث وجماليات الفن الحديث
صفية الحبسي

صفية الحبسي

تاريخ النشر

في عالم تتقاطع فيه خطوط الضوء بألوانها، وتنبض الجدران بروح الحياة، تبرز مسيرة الفنانة التشكيلية الإماراتية " صفية الحبسي" والتي حملت شغف الطفولة إلى فضاءات الإبداع الحر.

منذ بواكير أيامها انجذبت للألوان والأشكال، تخوض في عوالم الأشغال اليدوية، وتجارب المواد البسيطة، بحثاً عن نبض جديد للأشياء حولها. هذه البذرة الأولى سرعان ما نمت مع الزمن لتصبح فناً لا تراه هواية عابرة، بل نافذة للتعبير عن الذات، ووسيلة لترجمة المشاعر والمعاني التي تختزنها الروح

عندما تمتزج الألوان بالقطع الصغيرة لتُشكّل حكاية فنية، يصبح الإبداع لغةً تُجسّد الشغف وتُعبّر عن الهوية. في عالم الفن التشكيلي، تُقدّم الفنانة الإماراتية " صفية الحبسي" نموذجاً فريداً يجمع بين أصالة التراث وجماليات الفسيفساء، لتُعيد صياغة رموز الوطن بأسلوب معاصر. التقيناها في حوار حصري لنتعمق في مسيرتها الملهمة، ونكتشف أسرار إبداعها، وطموحها في تلوين شوارع أبوظبي.

بداية الشغف: من الألعاب اليدوية إلى عالم الفسيفساء

عندما سألناها عن شرارة البداية، قالت: "بدأت رحلتي مع الفن منذ الصغر، فقد كنت منجذبة بشكل فطري إلى الألوان والأشكال، وأحببت دائمًا التجريب بالمواد البسيطة المتوفرة حولي. لم يكن الفن مجرد هواية، بل وسيلة للتعبير عن ذاتي."

وتابعت، كاشفة عن لحظة التحول الحقيقية: "شغفي الحقيقي برز بوضوح عندما تعرفت على فن الفسيفساء. وجدت فيه عالمًا يجمع بين الدقة والإبداع والصبر، وكنت أشعر أنه يمنحني مساحة لا محدودة لابتكار أعمال فريدة باستخدام خامات متنوعة، وحتى إعادة تدوير المواد لمنحها قيمة جديدة. من هنا، بدأت رحلتي الجادة لتطوير نفسي ليصبح الفن جزءًا لا يتجزأ من حياتي وهويتي."

إلهام من الطبيعة وتراث الأجداد

وعن مصدر إلهامها، أوضحت الفنانة أنها تستلهم من البيئة المحيطة بها أولاً، ومن جمال الطبيعة في أدق تفاصيلها، مثل "الأشجار، الزهور، الطيور، وحتى الألوان المتناثرة في حياتنا اليومية". لكن الإلهام الأعمق يأتي من التراث الإماراتي والعربي، الذي يحمل "أصالة وقصصًا تستحق أن تُروى بأسلوب بصري معاصر".

وتحرص في لوحاتها على إبراز ثلاثة مواضيع رئيسية:

  • الجمال الطبيعي: من خلال الزهور، وخاصة زهرة عباد الشمس التي تعشقها، والأشجار والفراشات.

  • الهوية والتراث: عبر دمج عناصر مثل السدو، النخيل، أو رموز تعكس أصالة المكان.

  • الاستدامة: من خلال استخدام مواد معاد تدويرها لتوصيل رسالة بيئية قوية.

الأسلوب الفني والرسالة: مزيج من الواقعية والرمزية

تصف الفنانة أسلوبها الفني بأنه "مزيج بين الواقعية والرمزية"، حيث تستخدم خامات متعددة كالسيراميك، الزجاج، والأحجار، إضافة إلى قطع معاد تدويرها. وتركز على التفاصيل الدقيقة والألوان المشرقة التي "تبعث على الفرح والأمل".

رسالتها الفنية هي أن "الفن لغة قادرة على إحياء المساحات وتحويلها إلى مصدر إلهام وجمال"، وأن الإبداع يمكن أن يولد من البساطة. كما أنها تحب أن توصل من خلال أعمالها قيم الاستدامة، والارتباط بالطبيعة، والاعتزاز بالتراث، مع فتح نافذة للتفاؤل والإيجابية في حياة الناس.

التراث الإماراتي: الجذور العميقة لرحلتها الفنية

"التراث الإماراتي يشكل بالنسبة لي جذورًا عميقة أستند إليها في أعمالي الفنية"، هكذا أجابت بوضوح عندما سُئلت عن دور التراث في فنها. وأضافت: "إنه ليس مجرد ماضٍ أفتخر به، بل مصدر إلهام متجدد أحرص على أن يكون حاضرًا في لوحاتي. عندما أستخدم عناصر مثل السدو، النخلة، الصقر، الفخار، أو الزخارف التقليدية، فإنني لا أضيف لمسة جمالية فحسب، بل أنقل قصة وهوية وثقافة غنية."

وتؤمن أن فن الفسيفساء قادر على "إعادة صياغة هذه الرموز بروح عصرية" ليراها الجيل الجديد بطريقة تجعلهم أكثر ارتباطًا بتراثهم، ويصبح الفن بذلك "جسرًا بين الماضي والحاضر".

مشاركات بارزة وتحديات تم تجاوزها

وعن أهم محطاتها الفنية، ذكرت الفنانة أبرزها:

  • مشاركتها في مهرجان العين للكتاب 2025، حيث حظيت بتفاعل كبير من الزوار وطلاب المدارس.

  • ورش العمل الفنية لذوي الهمم التي أقامتها في العين، والتي وصفتها بأنها "جسدت جانبًا إنسانيًا مهمًا" في تجربتها.

  • تنفيذ جداريات منزلية مثل "شجرة الزهور"، التي أظهرت إمكانات الفسيفساء في تحويل المساحات إلى لوحات نابضة بالحياة.

  • الأعمال الجماعية التي جمعت بين التراث، والاستدامة، والابتكار، مثل اللوحة التي دمجت بين السدو، النخيل، والذكاء الاصطناعي.

وعن التحديات التي واجهتها كفنانة، قالت إن أبرزها كان قلة التقدير لفن الموزاييك في البداية، حيث كان يُنظر إليه كحرفة بسيطة، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على الدعم المادي والفرص الرسمية. كما كان التوفيق بين أدوارها كأم وجدة وموظفة وفنانة تحديًا كبيرًا، لكنها وجدت أن "الفن لم يكن عبئًا بل مساحة للراحة والتجديد".

وأضافت أنها تجاوزت هذه التحديات بـ "الإصرار، والإيمان بالرسالة، والدعم المعنوي من الأسرة،" مؤكدة أن التحديات ليست عائقًا بل "وقودًا يدفعها للإبداع والابتكار".

"شجرة الغاف".. اللوحة الأقرب إلى القلب

وعن اللوحة الأكثر قربًا لقلبها، كشفت أنها "شجرة الغاف"، والتي وصفتها بأنها "تمثل أكثر من مجرد عنصر طبيعي؛ فهي الشجرة الوطنية لدولة الإمارات، رمز الصمود والعطاء والجذور الراسخة." لقد دمجت فيها "نمط خلية النحل مع شجرة الغاف، ليعكس العمل الترابط المجتمعي والتناغم بين عناصر الطبيعة".

وعن سبب تعلقها بها، قالت: "أردت أن أوصل رسالة أن الفن قادر على التعبير عن الهوية الوطنية والقيم المجتمعية، تمامًا كما هو الغاف رمز للثبات والعطاء في الصحراء. لهذا أعتبرها لوحة عزيزة جدًا على قلبي."

دور الفن في المجتمع.. جسر بين الأصالة والحداثة

برأي الفنانة، يلعب الفن دورًا محوريًا في خدمة المجتمع وتعزيز الهوية الوطنية، فهو "ينقل القيم والتراث، ويُجمّل الفضاء العام، ويصبح وسيلة للتعليم والإلهام". كما أنه قادر على توصيل رسائل مجتمعية وبيئية مهمة.

باختصار، "الفن ليس مجرد زخرفة أو جمال بصري، بل أداة قوية للتغيير الإيجابي، لتعزيز القيم، ولتعميق ارتباط الناس بوطنهم وتراثهم."

طموحات نحو مدينة فنية مفتوحة

تطمح الفنانة حاليًا إلى توسيع أعمالها لتشمل المساحات العامة في أبوظبي، مثل الجسور، الأنفاق، والجدران، بهدف تحويل المدينة إلى "معرض فني مفتوح".

أما طموحها المستقبلي فيتمثل في:

  • تحويل الفن إلى رسالة مستدامة باستخدام مواد معاد تدويرها في أعمال ضخمة.

  • تنظيم ورش عمل وبرامج تعليمية للأطفال والناشئين وذوي الهمم.

  • إبراز الهوية الإماراتية عالميًا عبر المشاركة في معارض دولية.

نصيحة للشباب ودعم عائلي مؤثر

وفي ختام حوارنا، قدمت نصيحة للشباب والفنانين الصاعدين: "آمنوا بشغفكم ولا تخافوا من التجربة... تعلموا من التراث والبيئة... الصبر والمثابرة مفتاح النجاح."

وعن الأشخاص الذين ساندوها في أعمال الجداريات، قالت إنهم أبناء إخوتها وأخواتها، وأن دعمهم "أضفى على التجربة روحًا دافئة، وحوّل العمل إلى ذكرى مشتركة تجمع بين الفن والروابط الأسرية."

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com