بين ريشة الرسم وعدسة الإخراج.. سرّاء الشحي تعزف سيمفونية الحواس

بين عفوية الحوارات المهملة وتأملات الحياة اليومية البسيطة، تجد المخرجة والكاتبة الإماراتية مدرستها الإبداعية الأثرى
بين ريشة الرسم وعدسة الإخراج.. سرّاء الشحي تعزف سيمفونية الحواس
تاريخ النشر

بين عفوية الحوارات المهملة وتأملات الحياة اليومية البسيطة، تجد المخرجة والكاتبة الإماراتية سرّاء عبدالعزيز الشحي مدرستها الإبداعية الأثرى. فهي تؤمن أن السينما الحقيقية لا تكمن في الصخب، بل في ذلك "الجزء المنسي" من واقعنا الذي يشكل جوهر الوجود. وببوصلة تتجه دوماً نحو سبر أغوار النفس البشرية، تمضي سرّاء في مشروعها الفني لتروي حكايات من قلب الإمارات، بأسلوب يمزج بين الأصالة وعالمية الطرح.

من خشبة المدرسة إلى سحر "نيويورك"

لم تكن السينما لسرّاء مجرد قرار مهني، بل كانت قدراً تشكلت ملامحه في العاشرة من عمرها، حين مُنحت فرصة كتابة دورها في مسرحية مدرسية. من تلك اللحظة، اقتحمت عوالم الخيال ولم تكتفِ بالتمثيل، بل جذبتها الكاميرا لتخطط مستقبلها خلف العدسة.

بدأت خطواتها الأكاديمية في جامعة زايد، لتقودها طموحاتها لاحقاً إلى نيل منحة الشيخ محمد بن زايد المرموقة، وتستكمل دراسة الماجستير في كلية "تيش" للفنون بنيويورك. هناك، في واحدة من أعرق قلاع السينما، صقلت موهبتها بالتجربة المباشرة، مارةً بكل محطات الولادة الفيلمية؛ من مسودة الكتابة، إلى زوايا التصوير، وصولاً إلى رؤية الإخراج وأروقة الترويج.

خلوة باريس.. حين تنطق الحواس بالجمال

في محطة فارقة، قضت سرّاء أربعة أشهر في العاصمة الفرنسية باريس عبر إقامة فنية من مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون (أدماف). كانت هذه الفترة بمثابة "تنشيط لذاكرة الحواس"، حيث انغمست في الثقافة الفرنسية، وتفاعلت مع فنانين عالميين في النحت والرسم والكتابة. تصف سرّاء هذه التجربة بامتنان قائلة: "أنا محظوظة لأن الغرض من المنحة كان العمل على فيلمي الطويل، وقد فتحت لي آفاقاً إلهامية لم أتوقعها، وأود تكرارها لما لها من أثر في نضجي الفني".

الفن بجميع الحواس: المخرجة في ثوب الممثل

لا تقيد سرّاء نفسها في إطار إخراجي ضيق؛ فهي فنانة شاملة، تمارس التصوير الفوتوغرافي والرسم، وتمنح صوتها لمشاريع الأطفال والإعلانات. ومؤخراً، خاضت تجربة التمثيل ببطولتها للفيلم القصير "عوق" للمخرج عبدالرحمن مدني. هذه التجربة لم تكن مجرد دور عابر، بل كانت درساً إخراجياً جديداً، حيث تقول: "أستطيع الآن استشعار ما يمر به الممثل، ومعرفة كيفية التعامل معه بخصوصية وعمق خلال العملية الإخراجية".

"حلم صغير".. بوابة العبور نحو العالمية

يعد فيلمها "حلم صغير" علامة فارقة في مسيرتها، إذ حصد جوائز عدة، منها أفضل سيناريو في مهرجان العين السينمائي، وجائزة الفيلم الخليجي في مهرجان أفلام السعودية، وجائزة الفنون التشكيلية من (أدماف) وشريكها غلف كابيتال.

يروي الفيلم قصة "ميثاء"، الفتاة التي يراودها حلم بسيط بالسباحة في البحر، لتصطدم بتعقيدات نظرة المجتمع والبيئة المحيطة. ومن خلال رحلة ميثاء للبحث عن الخصوصية، تبرز براعة سرّاء في تحويل القصة اليومية إلى لوحة بصرية تعبر عن المجتمع الإماراتي بمنظور إنساني متناغم يلامس الأرواح بصمت وأصالة.

<div class="paragraphs"><p>"حلم صغير"</p></div>

"حلم صغير"

سيكولوجيا الإبداع: "تذكر لماذا بدأت"

تؤمن الشحي بأن السينما ليست فعلاً فردياً منعزلاً، بل هي "تجربة جماعية بحتة". وتؤكد على ضرورة إحاطة المبدع نفسه بأصدقاء يؤمنون برؤيته، ليكونوا له سنداً في لحظات العجز. وفي رسالة ملهمة لزملائها، تقول: "أنت لست وحدك، لكن تذكر دائماً في لحظات التعب السبب الأول الذي دفعك لاختيار الشاشة الكبيرة ليكون إرثك وصوتك المميز". فمواجهة التحديات الإبداعية، في نظرها، هي مغامرة قوامها التعلم والتجاوز للوصول إلى العرض الأول.

مدرسة الفيلم: الاستثمار في عقل الجيل

لم تبخل سرّاء بما تعلمته، بل جعلت من "التعلم المستمر" رسالة وطنية. شاركت في تقديم ورش عمل في مهرجانات "سكة" و"المرموم"، وأسست حساباً تعليمياً على إنستغرام بعنوان "مدرسة الفيلم" لنشر الثقافة السينمائية وتقديم الاستشارات.

وتشدد سرّاء على أن القصة الجيدة هي حجر الأساس، داعيةً إلى تبني ثقافة "النقد البناء". فهي ترى أن مهارة الاستماع للملاحظات وتطوير "العضلة الفنية" هي ما سيسهل على الفنان مواجهة الأصوات المحبطة، ليمضي قدماً في تقديم إبداعه بكل ثقة وقوة.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com