غرفة المدبسة حيث يتم إنتاج الدبس
قبل زمن طويل من ظهور التكنولوجيا الحديثة، كانت "المدبسة" – وهي غرفة بسيطة بلا نوافذ – تمثل قلب عمليات حفظ الأغذية الإماراتية ورمزاً للابتكار الشعبي. لا تستخدم "المدبسة" سوى حرارة الصيف ووزن التمور المكدسة في أكياس منسوجة من خوص النخيل لاستخراج شراب غني وذهبي يُعرف باسم "الدبس".
هذه الممارسة القديمة والمستدامة لم توفر فقط محلياً طبيعياً للأطباق المحببة، بل ضمنت أيضاً إمدادات التمور طوال العام، مما يجسد تقاليد متجذرة في حسن التدبير.
في جميع أنحاء الإمارات، يتم إبقاء هذا التقليد حياً بفضل كبار السن الشغوفين. وفي منطقة "ضاية" الهادئة برأس الخيمة، أمضى "سالم بن عبد الله الشامسي" (83 عاماً) عقوداً في الحفاظ على هذه الطريقة في مزرعة ابنه. وبالنسبة له، فإن هذا العمل يمثل صلة مباشرة بأجداده، حيث يقول الشامسي: "لقد انتقلت المدبسة عبر الأجيال"، مشيراً إلى أن كل مزرعة نخيل كبيرة كانت تضم تقليدياً غرفة كهذه.
وفي دبا الفجيرة، يشارك "علي الحنطوبي"، خبير التراث الشهير، هذا الالتزام المتجذر. وبصفته مزارعاً حائزاً على جوائز، ومؤسس أول محمية للعسل في الإمارات، وسفيراً ثقافياً لأكثر من 40 عاماً، يرى الحنطوبي أن "المدبسة" بمثابة فصل دراسي حي. ويقول: "هذه بيئتنا ووطننا، ومن واجبنا الحفاظ على هذه الكنوز وتعليمها لأجيال اليوم".
تبدأ العملية الدقيقة قبل وقت طويل من دخول التمر إلى المكبس، وتحديداً في مرحلة التحضير المعروفة باسم "المسطاح"، حيث يتم فرش التمور المحصودة لتجف تماماً.
لا تصل كل التمور إلى هذه المرحلة؛ فبعضها يُعتبر صالحاً فقط كأعلاف للحيوانات، بينما يختار المزارعون أصنافاً معينة معروفة بمحتواها العالي من الشراب. وأكد الشامسي قائلاً: "يجب أن تكون التمور ناضجة وجافة"، مضيفاً أنه يتم أحياناً تسخين الفاكهة بشكل أكبر لضمان تجفيفها بشكل صحيح. وبمجرد تجفيفها وغسلها، تُعبأ التمور في "اليراب" – وهي أكياس كبيرة منسوجة من خوص النخيل، أو تُستخدم أوانٍ فخارية تُعرف باسم "الخروس" (أو نسخ أكبر تسمى "خابية").
تُعد المدبسة بحد ذاتها معجزة في الهندسة التقليدية. فهي غرفة مخصصة ومغلقة بلا نوافذ ولها مدخل واحد فقط، مصممة لحبس حرارة الصيف الشديدة ومنع دخول الغبار. في الأصل، كانت تُبنى من الجبس وخشب "الجندل"، بينما قد تستخدم النسخ الحديثة الأسمنت والبلاط لتسهيل التنظيف.
في الداخل، تُكدس الأكياس بعناية فوق هيكل مرتفع يسمى "العمد". وقد صُممت الأرضية الموجودة بالأسفل بذكاء، حيث تضم قنوات محفورة (أخاديد) توجه تدفق الشراب الثمين أثناء استخراجه، مما يؤدي به إلى حفرة تجميع تُسمى "الجابية"، وغالباً ما تكون مبطنة بطين ناعم مانع للتسرب.
لمدة 90 يوماً تقريباً، تسمح تركيبة الحرارة الشديدة والضغط الهائل الناتج عن الأكياس المكدسة للجاذبية بالقيام بسحرها. وأوضح الشامسي: "يخرج الشراب الكثيف بشكل طبيعي". ويُسمى هذا الشراب "دبس"، وهو أثخن وأغمق لوناً من العسل وله نكهة غنية جداً.
يدخل صاحب المدبسة كل يوم أو يومين لجمع الدبس المتراكم. وينتج عن هذا الاستخراج الطبيعي البطيء شراب كثيف بشكل ملحوظ. وأضاف الشامسي: "كلما كان التمر جافاً، زادت الكثافة"، مشيراً إلى أن الوعاء الذي يتسع لـ 3 كجم من الماء يمكن أن يتسع لما يصل إلى 4.5 كجم من دبس التمر؛ "إنه الشراب نفسه، لكن الوزن يختلف بسبب الكثافة".
لقد كانت هذه العملية حجر زاوية في حياة المجتمع، حيث كانت العائلات غالباً ما تتشارك في مدبسة واحدة. وكانت هذه الممارسة مغلفة بالاحترام والرعاية؛ حيث قال الحنطوبي: "قبل دخول المدبسة، يجب أن تغسل قدميك، لأنك تدخل مكاناً للطعام".
كان هذا "الذهب السائل" جزءاً حيوياً من النظام الغذائي الإماراتي التقليدي، حيث استُخدم كمحلٍ طبيعي لكل شيء بدءاً من "اللقيمات" وصولاً إلى أنواع الخبز مثل "الخمير" و"القرص". وفي عصر ما قبل التبريد، كانت المدبسة وسيلة حيوية لتحقيق الأمن الغذائي.
وبينما تنتج المصانع الآن الدبس تجارياً، لا يزال الكثيرون – مثل الشامسي – يلتزمون بالطريقة التقليدية، ويديرون أعمالاً صغيرة لبيع الدبس في أوعية تتراوح أوزانها من 1.5 كجم إلى 4 كجم.
بالنسبة للحنطوبي، فإن هذا التقليد هو شأن عائلي؛ حيث يبدأ العملية كل شهر سبتمبر مع أطفاله وأقاربه، وهي ممارسة عرضها في فعاليات تراثية في الشارقة وعلى شاشات التلفزيون. وقال بفخر: "نحن نواصلها ونعلمها للأجيال... كل ذلك بأيدينا، الشباب والأطفال الصغار".
من رأس الخيمة إلى الفجيرة، يضمن حماة هذا التقليد الإماراتي القديم أن يستمر هذا المذاق الحلو للتراث الإماراتي في التدفق للأجيال القادمة.