شهد المشهد الثقافي والفني في دولة الإمارات نموًا استثنائيًا وغير مسبوق، ليصبح اليوم مركزًا حيويًا يوازن بين المعايير العالمية وصون الهوية المحلية. وفي قلب هذه الحركة الديناميكية تبرز مؤسسة السركال كقوة دافعة ومحور أساسي في بناء المجتمعات الإبداعية. التقت الخليج تايمز رجل الأعمال الإماراتي عبد المنعم بن عيسى السركال، مؤسس "السركال"، الذي يكشف في هذا الحوار الخاص عن الفلسفة الكامنة خلف دورهم المحوري في دعم المواهب المغامرة، واستراتيجيتهم لربط الفن الإماراتي بالعالم، مؤكدًا أن الاستثمار الخاص هو مفتاح استدامة وتطور هذا القطاع الحيوي في ظل تسارع التقنيات والفنون الرقمية.
تقييم المشهد الثقافي والفني في الإمارات
يقول السركال إن المشهد الفني المعاصر في الإمارات حقق نموًا مُطردًا ومتنوعًا على مدار العقود الثلاثة الماضية، وأصبح كل مكون من مكونات المنظومة الإبداعية حاضرًا وممثلًا بقوة، فالتحول الأبرز في العقد الأخير هو أن مؤسساتنا عكفت على تعزيز أثرها بالتوازي مع النمو السكاني والتنوع الثقافي السريع للدولة، وهذا أدى إلى خلق سردية تعددية توازن بين المعايير العالمية للمتاحف والفنون من جهة، وبين ثقافتنا المحلية وصون تراثنا غير المادي من جهة أخرى. وتكمن القوة في الاستثمار الحكومي الاستراتيجي في قطاعي الاقتصاد الإبداعي والدبلوماسية الثقافية، مما رسّخ مكانة الإبداع كجزء أصيل من الاستراتيجيات والسياسات الوطنية.
فلسفة "السركال" ودورها المحوري
ويضيف في "السركال"، نضع مهمة بناء المجتمعات ودعم الأفكار غير التقليدية في قلب فلسفتنا، فنحن نؤمن بتمكين المواهب المغامرة التي تتحدى القوالب التقليدية وتعيد صوغ السرديات المألوفة، فمعاييرنا تتمحور حول الأصالة والتحدي الفكري. نحن نتعاون مع طيف واسع من الفنانين والمصممين ورواد الأعمال الإبداعية الذين يساهمون في فتح آفاق جديدة للفكر عبر تخصصاتهم المختلفة.
دعم وتمكين المواهب المحلية
ويؤكد السركال قائلا إن رعاية الفنون المعاصرة هي جوهر عملنا وتتجسد في مبادرات متعددة. "السركال أفنيو" يركز على بناء المجتمعات الإبداعية واحتضان كافة مكونات المنظومة الفنية من فنانين ومعارض وكل ما يتعلق بالفن، أما "مؤسسة السركال للفنون" فتكرّس دعمها للفنانين والباحثين الثقافيين ومنتجي الثقافة الذين يسعون لابتكار معارف جديدة تلامس سياقنا الثقافي، ويتحقق هذا عبر برامج الإقامة الفنية، والمنح، والمعارض، والبرامج التعليمية. بالإضافة لذلك، يعمل ذراعنا الاستشاري، "السركال الاستشارية"، على تطوير منصات تعزز وتدعم الأصوات الثقافية في المنطقة.
الشراكات الدولية وربط المشهد بالعالم
ويقول أنا أؤمن بأن أعظم القيم هي نتاج التعاون القائم على رؤى مشتركة. فشراكتنا الأخيرة مع منصة "ديزاين ميامي" هي مثال واضح، حيث نلتزم معًا بالتنمية الثقافية بعيدة المدى، ما يعزز المبادرات المنبثقة من شبكات الإبداع في المنطقة. كما قمنا بإقامة شراكات مهمة منها شراكتنا مع دار "كريستيز" لمعرض "مروان: روح في المنفى" في 2026، وشراكتنا الممتدة مع "مؤسسة دلفينا" بلندن.
كما تعاونّا مؤخرًا مع "المدينة الدولية للفنون بباريس" (Cité internationale des arts) ) لتقديم معرض في بينالي فينيسيا 2024 بمشاركة فنانين من المنطقة. هذه الشراكات تضمن تجذرها في العلاقات المحلية وفي الوقت ذاته ترتقي بالمواهب المحلية إلى النقاش العالمي.
التوازن بين الأصالة والمعاصرة
ويرى السركال بأن لا تعارض بين الأصالة والمعاصرة على الإطلاق؛ ويقول الإماراتي مُعاصر بطبعه. نحن نرى تراث الإمارات ومعاصرتها يتجسدان في أعمال رواد الأعمال الإبداعية وفي الفنانين الذين يبدعون بتكليفاتنا الفنية العامة، مثل نجوم الغانم وأسماء بلحمر، ومحمد أحمد إبراهيم، ومحمد كاظم، وعفراء الظاهري، وسارة المهيري. المعاصرة هي امتداد حي لهويتنا، ونحن ندعم الأعمال التي تستوحي من هذا التراث لتفتح آفاقًا فنية جديدة.
نظرة للمستقبل والفنون الرقمية
أرى أن المشهد الثقافي والفني في الإمارات مُهيأ لمزيد من الازدهار، فجميع المؤشرات تدل على أن الفنون الرقمية والصيغ المعززة بالتقنيات ستندمج تدريجيًا في التيار الجامع للفنون. ونحن حريصون على سرعة الاستجابة لهذه التحولات، ومستعدون لدعم المبدعين الذين يوظفون التقنيات في بحوثهم وأعمالهم. وقد استضفنا سابقا أحد المعارض الذي اصطحب زواره في جولة افتراضية بتقنية الواقع المعزز إلى أطلال موهينجو دارو، مما يؤكد أننا نرى في هذه الأدوات قيمة تربوية ضمن برامجنا.
رسالة السركال للمستثمرين
ويقول السركال الدعم الخاص هو ركن أساس في أي منظومة فنية حيوية. إنه يتيح مساحة للتجريب والتفكير الخلاق الذي غالبًا ما يقف على أطراف المألوف، ويدفع بالخطاب السائد نحو آفاق جديدة. فالاستثمار الخاص، يضمن الاستثمار طويل الأمد في المواهب المحلية. ورسالتي للشركات هي أن الممارسات الفنية والتعبير الثقافي هي حجر الزاوية في نسيجنا الاجتماعي. فالاستثمار في الثقافة لا يعود بالنفع على الفنانين وحدهم، بل على المجتمع بأكمله، وهو استثمار في رأس المال الفكري والإبداعي للدولة.