"إيمان الهاشمي" ألحاني أسئلة وجودية والبيانو لغتي

بين ريادة العمل الإنساني وسحر التأليف الأوركسترالي.. حوار عن الموسيقى التي لا تحتاج "إذناً" لتعبر الحدود.
"إيمان الهاشمي" ألحاني أسئلة وجودية والبيانو لغتي
تاريخ النشر

بين رهافة الريشة، وبلاغة الكلمة، وهيبة الأوركسترا، تقف الدكتورة إيمان الهاشمي كظاهرة إبداعية إماراتية لا تعترف بالحدود بين الفنون، فهي أول ملحنة إماراتية صاغت من الصمت نغمات، ومن الهوية رسالة عالمية. في هذا الحوار مع الخليج تايمز نُبحر في أعماق شخصية ترى في 'النوتة' سؤالاً فلسفياً، وفي 'الألحان' أطفالاً يحملون ملامح الأرض وتفاصيل الروح. هي المبدعة التي لم تنتظر إذناً من أحد لتعزف حلمها، فأوصلت صدى أوتارها من قلب الإمارات إلى آفاق المستحيل.

الفن لغة كونية تتجاوز الحواجز

تقول الهاشمي: "لا أؤمن بأن للمبدع لغة أساسية واحدة للتعبير، فالفنون شتى وهي لغة البشر السلمية، بالنسبة لي تحجيم الإبداع في قالب واحد يقتل تكامله، والفن هو أعظم نعم الله علينا لنعبر عما تختلجه أرواحنا حين تعجز الكلمات عن حمل مشاعرنا، لذا أجدني أكتب غالباً، وأرسم نادراً، وألحن أحياناً، ولكنني أحب دائماً. الموسيقى هي اللغة الأقرب إلى قلبي، والتأليف الموسيقي تلحيناً وتوزيعاً هو طريقتي الخاصة لفهم العالم ومخاطبته.

فلسفة النوتة الأولى وكسر القوانين

عندما أضع النوتة الأولى لأي مقطوعة، فهي لا تبدأ كصوت، بل كفكرة أو سؤال فلسفي يتردد في كل جوارحي. أبدأ من "المعنى" قبل "اللحن"، وأبني العمل كهيكل متوازن يجمع بين الانضباط التقني والحرية العاطفية. وفي مذهبي الفني، العاطفة تبرر خرق القوانين الموسيقية؛ فنحن من وضعنا هذه القوانين، ونحن من نملك الحق في تجاوزها حين تستحق المشاعر ذلك.

"أطفال اللحن" وجنسية المبدع

وتضيف أؤمن يقيناً بأن الموسيقى عالمية، لكنها بالضرورة تحمل هوية صانعها. أستخدم القوالب العالمية والتراثية وأدمج فيها روح الشرق وذاكرة المكان الإماراتي دون المساس بصدقها الفني، فالألحان بالنسبة لي هم "أطفالي"، وكما يحمل الطفل جنسية والديه، فإن ألحاني إماراتية الهوية مهما اختلف شكلها الموسيقي، فلو كان طفلي أشقر الشعر وأزرق العينين، لا يمكنني إنكار نسبه لمجرد اختلافه عن بيئته، سيبقى ابني دائماً.

العزلة والوحدة الجوهرية للفنون

العزلة في حياتي ليست ابتعاداً عن الواقع، بل هي اقتراب أعمق من جوهر الحياة. الكتابة، الرسم، والتلحين، كلها تنبع من ذات واحدة. أتنقل بين هذه المسارات بانسجام تام لأنها في النهاية وسيلة واحدة للتعبير عن الفكرة ذاتها، ولا أجد صراعاً في الموازنة بينها، بل أجد تكاملاً يغذي كل جانب منهما الآخر.

الموهبة الفطرية والصدق الإنساني

وعن تحدياتها تخبرنا الهاشمي وتقول: التحدي الأكبر الذي يواجهني ليس تقنياً فحسب، بل هو الحفاظ على "الصدق الإنساني" وسط التعقيدات التقنية، وضمان أن تبقى الموسيقى نابضة بالمشاعر. أما عن الجدل الدائم حول كوني ملحنة لم تدرس الموسيقى أكاديمياً، فأجيب بابتسامة: الموسيقى لم تنشأ يوماً داخل جدران المعاهد، بل ولدت معنا. نحن جميعاً موسيقيون بالفطرة، والإبداع لا يحتاج إلى رخصة أكاديمية ليثبت وجوده.

الإمارات.. حاضنة الأحلام

وأكدت الهاشمي دور دولة الإمارات في إبداعها وقالت: كانت بيئة الإمارات هي الدافع الأكبر في مسيرتي؛ لم تحتضن موهبتي فحسب، بل منحتني الثقة للوصول إلى العالمية. إن النهضة الثقافية التي نعيشها جعلت الحلم ممكناً، ورسخت لدي الإيمان بأن الفن هو جزء لا يتجزأ من المشروع الحضاري الوطني. ومن هنا، أرى الموسيقى سفيراً صادقاً للهوية الإماراتية، تحمل قيم التسامح والعمق والاتزان إلى العالم بقوة وهدوء.

البيانو.. رفيق الصمت والانفجار

إذا سُئلت عن الآلة التي تشبهني، سأختار "البيانو" دون تردد. هو الأقرب لي لأنه يجمع التناقضات؛ الصرامة والحنان، الصمت والانفجار. هو مرآة لتركيبتي النفسية، ورغم حبي لكل الآلات الأخرى كبناتي، يبقى البيانو هو "الطفل الأول" الذي يحظى دائماً بالمكانة الأكبر في قلبي.

تكامل الفن والعلم والعمل الإنساني

وتقول الهاشمي كونها ملحنة وأكاديمية وكاتبة، لا أفصل بين كوني ملحنة وبين دوري كأكاديمية أو كوني مؤسس ورئيس جمعية المناعة الذاتية، كل ما أقدمه ينبع من رؤية واحدة ترى في الإنسان قيمة عليا، فالفن عندي ليس ترفاً بل وسيلة وعي، والعلم أداة خدمة، والعمل الإنساني مسؤولية وطنية. حين يقترن الإبداع بالرحمة، يتحول إلى رسالة سامية، وتصبح خدمة الإنسان هي أسمى أشكال التعبير.

طموح يعانق الفضاء

وعن طموحاتها تقول: لقد حققت بفضل الله كل أحلامي الموسيقية وأكثر، والآن أطمح للمستحيل. أحلم بأن تعزف ألحاني في الفضاء الخارجي، لتكون بمثابة "مسبار أمل" موسيقي يتخطى حدود الصوت العلمية ويصل إلى سطح القمر. فالموسيقى كائن حي يسكنني، وهي القادرة على وصفي أفضل مما أصفها أنا.

رسالة إلى المرأة الإماراتية الشابة

لكل شابة طموحة تطمح لدخول مجالات فنية غير تقليدية، أقول لها بملء فيّ: "لا تنتظري الإذن من أحد". ثقي بموهبتك، واعملي بوعي وثبات. الوطن يراهن على طاقاتك، ونجاحك الشخصي هو امتداد لنجاح الإمارات. مستقبلنا الأوركسترالي واعد جداً إذا استثمرنا في "الإنسان" قبل "الآلة"، وفي "الهوية" قبل "الشكل".

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com