الشيخ مسلَّم بن حم العامري، رئيس مجلس إدارة مجموعة بن حم القابضة يكرم الأستاذة فاطمة
في زمن تتسارع فيه وتيرة التغيير، تبقى قصص العطاء الأصيل منارات تضيء طريق الأجيال. ومن بين هذه القصص المُلهمة، تقف الأستاذة فاطمة داخل، معلمة التربية الإسلامية في المدرسة المتحدة الخاصة بمدينة العين، كرمز للتفاني والإخلاص، بعد أن أكملت 51 عاماً متواصلاً في سلك التدريس دون انقطاع حتى اليوم.
مسيرتها في سلك التعليم التي بدأت في عام 1974، لم تكن مجرد وظيفة، بل رسالة زرعت عبرها القيم والمعرفة في آلاف القلوب والعقول.
الشغف لا يتقاعد
وتقول داخل: " بدأت رحلتي كمعلمة شابة حتى اليوم، هذا ليس عمراً قضيتُه في مهنة، بل عمر زرعتُه في آلاف القلوب الصغيرة والعقول الواعدة، كثيراً ما يسألوني "لماذا لم تتقاعدي بعد؟ لماذا تصرين على الوقوف أمام هؤلاء الصغار حتى اليوم؟' وإجابتي بسيطة، "الشغف لا يتقاعد".
في الحقيقة، أنا لم أدخل هذا الصف يوماً وأنا أشعر بالملل، فكل صباح هو مغامرة جديدة، أنا لا أرى أمامي أسماءً في قائمة، بل أرى قادة المستقبل، أرى بذرة صغيرة تحتاج إلى رعاية خاصة، إلى كلمة تشجيع، إلى طريقة جديدة لفهم العالم، ولأنني أشهد المعجزات اليومية، لا يوجد شعور يضاهي رؤية تلك اللحظة التي ينتقل فيها الطفل من عدم الفهم إلى الاستيعاب، من الارتباك إلى الاكتشاف. تلك الدهشة في عيونهم هي مكافأة لا تُشترى بمال.
الأجيال اليوم تحتاج إلى جذور
وتضيف التكنولوجيا تتسارع، والعالم يتغير بسرعة جنونية، دوري اليوم لم يعد مجرد إلقاء معلومات، بل هو غرس القيم والأخلاق والانضباط. أطفال اليوم يحتاجون إلى مرساة تربطهم بالماضي الجميل وبالإنسانية، وهذا ما أحاول تقديمه من خبرة خمسين عاماً.
لأنني أتعلم منهم أيضاً
وتقول: "لا يقتصر الأمر على تعليمهم، فكل جيل جديد يعلمني شيئاً عن الصبر، عن التفاؤل، وعن الطرق الحديثة للتواصل. هم يجددون روحي، ويمنعوني من أن أصبح معلمة من الماضي، إن التدريس بالنسبة لي لم يكن يوماً مجرد وظيفة أو مصدر رزق؛ بل هو رسالة، وروح، وحياة متجددة. طالما أنني أستطيع أن أضيء ولو شمعة صغيرة في عقل طفل، سأبقى هنا. فمستقبل هذا الوطن، ليس في أيادينا، بل في تلك الأيدي الصغيرة التي أُمسك بها كل يوم في الفصل."
خير الإمارات أرده بتعليم أبنائها
لم تفوت الأستاذة فاطمة فرصة للإعراب عن عميق امتنانها للبيئة الداعمة التي وفرتها دولة الإمارات، والتي أتاحت لها هذه المسيرة الطويلة والمثمرة، فهي دوما تقول: أرد خير هذا البلد علي بتعليم أبنائه، وأضافت: "طوال هذه العقود، لم يكن التدريس مجرد وظيفة أو مصدر رزق؛ بل هو رسالة، وروح، وحياة متجددة. ولو لم أجد هذا الدعم غير المحدود من دولة الإمارات، التي آمنت بقيمة المعلم وتفانيه، لما استطعت أن أستمر بهذا الشغف."
وتشير إلى أن الإمارات وفرت لها ولغيرها من المعلمين الإطار والفرصة للنمو المهني وتطبيق أفضل الممارسات التعليمية، ما سمح لها بدمج خبرة السنين مع أحدث استراتيجيات التعليم.
د. سلام عمر
شهادات بـ"المزيج النادر" من القيادات التعليمية
تقول الدكتورة سلام عمر مديرة مدرسة المتحدة الخاصة سابقا: " إن ما يميز المعلمة فاطمة حقاً هو ذلك المزيج النادر من الإبداع التربوي والاحتواء الأبوي. فنادراً ما نجد معلماً يمتلك هذا القدر من الطاقة لتقديم المنهج بطرق مبتكرة تجعل كل طفل في الفصل يتطلع إلى الدرس التالي، سواء كان ذلك عبر الأنشطة اليدوية أو القصص التفاعلية أو الأساليب التعليمية التي تلامس حواسهم.
وتضيف تعاملها مع أطفالنا يعد نموذجا يُحتذى به، هي لا تُدرّس فحسب، بل تُربّي بالحب والتفهم. ترى في كل طفل إمكانية هائلة، وتتعامل مع التحديات السلوكية أو الأكاديمية بـصبر لا حدود له وحكمة فائقة، مما يجعلها قادرة على بناء جسور من الثقة والاحترام بينها وبين طلابها، كما أنها تساهم بفعالية في خلق بيئة صفية يسودها الانضباط المقترن بالمحبة والاهتمام الحقيقي، وتقوم بتحويل الطاقة إلى إنجاز، فهي خبيرة في دمج الأنشطة الحركية الهادفة والمشاريع الجماعية في المنهج، مما يضمن تحويل طاقة الأولاد الزائدة إلى مخرجات تعلم ملموسة ومثمرة.وهذا هو سر نجاحها المستمر في تحقيق أعلى النتائج الأكاديمية والسلوكية معاً.
وأكدت كنانة النمر نائبة المدير في مدرسة المتحدة الخاصة في العين، أن المعلمة فاطمة هي بحق قصة ملهمة عنوانها الإصرار وحب الحياة، وتقول:" رغم تجاوزها السبعين من عمرها، لازالت تواصل مسيرتها التعليمية بنفس الحماس، وبشغف لا يعرف التراجع، حضورها في الميدان يبعث الأمل، ويؤكد أن العطاء الحقيقي لا تحده سنوات العمر، بل ينبع من القلب وروح الإيمان بالرسالة.
وتضيف، عملت معها طوال ثلاث عشرة عاما، وخلال هذه الفترة لم أر يوما فتورا في عزيمتها، أو تراجعا في حماسها، على العكس كانت دائما مصدر إلهام لنا، بطاقتها الإيجابية وبحبها للتعليم، ونحن نفتخر بها وبمسيرتها التي تزرع الأمل، فهي عمود فقري في مدرستنا".
أمجد سعادة
ماما فاطمة
ويقول أمجد سعادة المدير السابق للمدرسة المتحدة الخاصة: "تُعد الأستاذة فاطمة واحدة من أبرز الرموز التربوية في دولة الإمارات، إذ شكّلت عبر عقود من العطاء نموذجًا يُحتذى للمعلمة الأصيلة التي جمعت بين خبرة السنين وروح التجديد والإبداع، مستثمرة التقنيات الحديثة في التعليم بأسلوبٍ جعلها قريبة من طلابها الذين أطلقوا عليها لقب “ماما فاطمة” لعطفها وحنانها. تجاوز دورها حدود التعليم الأكاديمي إلى بناء الإنسان وغرس القيم الوطنية والهوية الإماراتية في نفوس الطلبة، فكانت حاضرة في كل الفعاليات الوطنية والتربوية بروحٍ مفعمة بالإخلاص والانتماء. عرفها الجميع بتواضعها وإنسانيتها وطاقتها الإيجابية، وظل أثرها عميقًا في طلابها الذين أصبح كثير منهم اليوم قادة ومسؤولين يفتخر بهم الوطن، لتبقى فاطمة الداخل رمزًا مضيئًا للعطاء التربوي وملهمة للأجيال القادمة من المربين والمربيات.
مثال للمعلمة الإنسانية
ومن جانبها، تحدثت المعلمة منى زين عن زميلتها فاطمة بكلماتٍ تعبّر عن تقديرٍ عميقٍ لمسيرتها الطويلة، قائلة إن خمسة عشر عاماً من العمل جمعتهما في الميدان التربوي، كانت خلالها الأستاذة فاطمة أكثر من زميلة، بل صديقة ومعلمة لا تُنسى، وأوضحت أخلاقها الرفيعة وحنانها الكبير يجعلانها بمثابة الأم لجميع زملائها وزميلاتها، فهي تقدم النصح والدعم والعطاء بلا مقابل، لافتةً إلى أن أثرها العميق امتد إلى طلابها وأبنائها الذين زرعت فيهم قيم الحب والاحترام، لتبقى مثالاً حياً للمعلمة الإنسانية التي يصعب تكرارها.
بصيرة نادرة
وتقول زينب كرم الأخصائية الاجتماعية في مدرسة المتحدة الخاصة بالعين: "تُعد الأستاذة فاطمة، بخبرتها الممتدة لعقود في الميدان التعليمي، ركيزة أساسية في مدرستنا، خاصة في التعامل مع المرحلة الابتدائية، فهي تمتلك بصيرة نادرة في فهم نفسية وسلوكيات الأولاد في مرحلة النمو الحرجة. ولا تتعامل مع التحديات السلوكية (مثل فرط الحركة أو تشتت الانتباه) كإشكالية يجب معاقبتها، بل كـرسائل خفية تعبر عن حاجات غير مُلباة، وتتلخص فلسفتها في استثمار وقتها وجهدها لبناء علاقة احترام متبادل مع كل طالب على حدة، فبدلاً من النقد أو التوبيخ، تستخدم الحوار الفردي الهادئ بعد الحصة لتحديد خطة تعديل السلوك بالاشتراك مع الطالب، مما يعزز لديه الشعور بالمسؤولية الذاتية.