

الحياة الجبلية في وادي شعم. الصورة: سعيد عبد الله الظهوري
[ملاحظة المحرر: هذا المقال جزء من سلسلة "قرى الإمارات"، وهي سلسلة تحريرية من صحيفة "خليج تايمز" تنظر لما وراء ناطحات السحاب في الدولة، لتستكشف المجتمعات الهادئة القابعة في الجبال والصحاري والوديان وعلى طول السواحل. ومن خلال أصوات السكان وإيقاعات الحياة اليومية، تستكشف السلسلة كيف يستمر التقليد والمكان والناس في تشكيل النسيج الاجتماعي لدولة الإمارات].
في أعماق الجبال الوعرة برأس الخيمة، يكشف "وادي شعم" عن نمط حياة لم يشهد مثله إلا القليل. في قراه المتناثرة، التي لا يزال بعضها قائماً، كان البقاء يعتمد ذات يوم على الموارد المشتركة، والصلابة، والتقاليد المتوارثة عبر الأجيال.
يتذكر سعيد عبد الله الظهوري (60 عاماً)، الذي نشأ في المنطقة، طفولة شكلتها البساطة والتحمل؛ حيث كانت الأغنام ترعى بحرية، والمياه تُجمع وتُخزن بعناية، وأياماً تميزت بالشقاء والروابط المجتمعية العميقة. كانت الحياة قاسية، لكنها غنية جداً بالتراث.
يقود سعيد "خليج تايمز" في جولة عبر هذه المستوطنات النائية، التي تملك كل منها قصتها وعاداتها الخاصة، ليفتح نافذة نادرة على عالم لا يزال صامداً بهدوء بعيداً عن متناول الحياة الحديثة.
ابق على اطلاع بآخر الأخبار. تابع خليج تايمز على قنوات واتساب.
إحدى أصغر القرى، منطقة "أحباب"، كانت تتكون من قرابة عشرة منازل فقط. كانت الحياة هناك متواضعة وذاتية الاكتفاء، حيث كانت العائلات تزرع القمح وتربي الأغنام. بُنيت البيوت من مواد محلية مثل حصى الجبال والخشب، واعتمدت كل أسرة بشكل كبير على موارد الأرض للبقاء.
وفي قرية "الغشبة"، كان هناك حوالي ثمانية منازل، يعود تاريخ بعضها إلى ما قبل الأربعينيات. هذه البيوت التقليدية، التي تسمى "بيت القفل"، بُنيت لتتحمل الطقس القاسي، بجدران من الحصى والطين وأسقف مغطاة بالخشب ونبتة جبلية تسمى "السخبر" لمنع تسرب الطين. كان كل بيت يخدم أغراضاً متعددة: الطبخ والنوم وتخزين الطعام. وكان من الممكن التعايش مع الشتاء في الداخل، بينما كان الصيف قاسياً، مما يدفع السكان لقضاء الموسم في مكان آخر.
خلال الصيف، تنتقل العائلات إلى مناطق أكثر برودة، مثل "العرشان" بالقرب من الأشجار ومصادر المياه، وإلى "الغبام" للهروب من الحرارة وضمان توفر المياه قبل الحصاد. كما كانت عائلة سعيد تقوم برحلات طويلة إلى إمارة الفجيرة، تستغرق من خمسة إلى سبعة أيام سيراً على الأقدام، مع الحمير والجمال التي تحمل الإمدادات مثل أواني الطبخ والسكر والتمور. كانت الليالي تُقضى في محطات توقف محددة، مثل "غيلان"، قبل الوصول إلى وجهتهم. وعند العودة، كانوا يحملون معهم التمور والأسماك المجففة مثل "العومة" و"القاشع"، ليستقروا مجدداً في منازلهم، وهي عملية تُعرف محلياً بـ "الحضر" و"التربية".
قرى أخرى، مثل "الغبة"، كانت تضم ما بين عشرة إلى عشرين منزلاً، حيث كانت الحياة تتمحور حول حقول القمح التي تسمى "الوعوب". هكذا كانت الحياة: أغنام ترعى وأشجار فاكهة متناثرة.
قبل مواد البناء الحديثة، اعتمد الأهالي على "الجص"، وهو طين يُجهز بطريقة خاصة لبناء خزانات المياه. كانت أقراص الطين تُعجن وتُشكل وتُخبز في أفران حجرية ثم تُطحن لتغطية جدران الخزانات. كانت تُحفر أحواض مستطيلة أو مربعة، تُغطى بالجص، وتُوصل بقنوات تسمى "المسيلة" لجمع مياه الأمطار. وكانت هناك أحواض تصفية لإزالة الأتربة قبل دخول الماء إلى الخزانات. ورغم وجود بعض الشوائب أحياناً، إلا أن هذا النظام وفر مياه صالحة للشرب والطبخ والغسيل، مما ضمن استمرار الحياة في الجبال القاسية.
اعتمدت الحياة على الأراضي الزراعية المفتوحة ورعي الأغنام، مع توفر المياه من الآبار المحلية. كانت أوائل السبعينيات، وخاصة عامي 1973 و1974، سنوات من الخضرة الوفيرة والمحاصيل الغزيرة. اعتمد السكان على المنتجات الطبيعية مثل الجبن والعسل والخبز التقليدي المخبوز في الأفران الحجرية. وغالباً ما كانت كل قرية تتخصص في نوع معين من العسل، مما يضمن توفر الغذاء والاكتفاء الذاتي للمجتمع.
يتذكر سعيد بحنين تسلق الجبال مع والدته إلى مناطق مثل "الحريف" و"رمدوت" بالقرب من جبل جيس، وزيارة كبار السن في الكهوف، وإعداد الطعام، وخبز الخبز، ومشاركة القصص؛ وهو ما يعد انعكاساً مستمراً للروابط الاجتماعية القوية.
مع قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، بدأت الحياة في الجبال تتغير. في منتصف السبعينيات، وبتوجيهات من المغفور له الشيخ زايد، تم تشجيع العائلات على الانتقال من المناطق الجبلية الوعرة إلى مجتمعات سكنية مخططة حديثاً. انتقل الكثيرون إلى مساكن وفرتها الحكومة. وفرت هذه الأحياء الحديثة، التي تضم حوالي 60 منزلاً، الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، مما خلق ظروفاً معيشية أكثر أماناً وراحة. مثّل هذا الانتقال نقطة تحول، سمحت للعائلات بتحسين جودة حياتهم مع الحفاظ على الروابط الاجتماعية الوثيقة والتقاليد التي شكلت مجتمعاتهم لأجيال.
إن قصة وادي شعم هي نافذة على عالم كانت فيه الحياة بسيطة ومليئة بالتحديات ومرتبطة بعمق بالطبيعة والمجتمع، وهي بداية مثالية لسلسلتنا التي تستكشف القرى والتراث في رأس الخيمة.