

يشكل تمثال "واحد من بين الكثير" الذي أبدعه استوديو "إن ستوديوز" (IN Studios) إضافة مميزة إلى حديقة التماثيل في مركز دبي المالي العالمي (DIFC)، باعتباره عملًا فنيًا يحتفي بالهوية والوحدة والانتماء، ويجسد فكرة أن كل إنسان فريد في ذاته، لكنه في الوقت نفسه جزء من كيان أكبر يجمعنا جميعًا.
يرمز التمثال، الذي يبلغ ارتفاعه خمسة أمتار، إلى تنوع دبي وغناها الثقافي، وكيف يتحول هذا التنوع إلى طاقة جماعية تصنع من المدينة فسيفساء متكاملة من الإبداع والتعايش. ومن خلال تصميمه الذي يجمع بين الخيال والدقة الفنية، يسعى العمل إلى جعل الزوار يتوقفون للحظة للتأمل والتفاعل، ليروا انعكاس ذواتهم في طبقات التمثال ويفهموا العلاقة بين الفرد والمجتمع.
استلهام الفكرة وطبيعة التنفيذ
بدأ فريق "إن ستوديوز" مشواره الإبداعي من فهم القصة العاطفية التي يرغب بإيصالها، ثم مرّ بعدة مراحل شملت تطوير الفكرة، والنمذجة الرقمية، وهندسة الهيكل، وصولًا إلى تنفيذ العمل يدويًا بدقة بالغة.
يقول الفنان إبراهيم النجار، المؤسِّس الشريك ومدير التصميم أحد المشاركين في المشروع والمتعاون مع الفنان حكيم العمراني من أستوديو نص نص، أردنا أن نعبّر عن الأثر الطبيعي للوحدة بين البشر، فمهما اختلفت الحدود، يبقى الإنسان متصلًا بالآخرين ضمن نسيج واحد. مثل رمال الصحراء التي جاءت من جبال المنطقة، أو كغافة الإمارات التي شاهدت تطور المكان وثباته في آن واحد."
وأضاف، استوحينا فكرة التمثال من شكل شجرة الغاف، رمز الصمود في بيئة الإمارات. فاعتمدنا شكلًا تجريديًا مستمدًا من جذوعها، يظهر من الأمام كجذع شجرة، لكنه يبدو من الجانب مقطوعًا إلى نصفين، في إشارة إلى الفترة الزمنية التي مرت بين جذور الماضي وتحولات الحاضر.
ويُغطي نصف التمثال الآخر سطح عاكس يعيد تأمل الزائر في ذاته وفي المكان من حوله، ليجعل من التجربة البصرية رحلة زمنية تتقاطع فيها الذاكرة والهوية والتطور.
رسالة الفن ودور الإمارات
حول عرض التمثال في مركز دبي المالي تزامنًا مع احتفالات دولة الإمارات بعيد الاتحاد، عبّر النجار عن فخره قائلاً: "أعيش في هذه الأرض منذ اثني عشر عامًا، وأشعر بالامتنان لأنني أشارك بعمل فني يعكس ثقافة الدولة وجمالها. هذا إنجاز شخصي ومهني لا يوصف."
وأشار إلى أن المشهد الفني العربي يشهد اليوم تحولًا نوعيًا، إذ بات المصممون العرب يحظون بالاعتراف والتقدير عالميًا، مدعومين بوعي متزايد من المؤسسات المحلية بأهمية إبراز المواهب الإقليمية، خصوصًا في دول مثل الإمارات التي أصبحت حاضنة للفن والإبداع.
كما وجه النجار شكرًا عميقًا لقيادة دولة الإمارات، مؤكدًا أن دعمها غير المحدود للفكر والثقافة والفنانين من مختلف الجنسيات جعل من البلاد منارة حضارية حقيقية تجمع التكنولوجيا والتنوع الإنساني والازدهار الثقافي في آن واحد.
من التراث إلى الحداثة
ندى عيلبوني، الشريكة المؤسسة ورئيسة تطوير الأعمال في "إن ستوديوز"، أوضحت أن فكرة التمثال مستلهمة من روح الغاف التي تعد رمزًا للثبات والعطاء في تاريخ الإمارات.
وأضافت: "أردنا أن نجمع بين العمق التراثي واللمسة المعاصرة، فحولنا الغاف من رمز طبيعي إلى شكل فني تجريدي يعبر عن الوحدة والتنوع في آن واحد. التمثال يتألف من شرائح متتالية تحمل أسطحًا عاكسة، بحيث يرى كل زائر انعكاسه بين تلك الطبقات كما لو كان جزءًا من الكيان الواحد."
وترى ندى أن اختيار موقع التمثال بين أبراج الإمارت ودبي المالي يمنحه رمزية خاصة، إذ يقف في قلب أحد أهم المراكز العالمية، في رسالة تؤكد أن الإمارات تمنح الفرص لجميع المقيمين والمبدعين ليتركوا بصمتهم في مشهدها الثقافي.
فخر الانتماء والإبداع المحلي
تختتم ندى حديثها بالقول إن المشاركة في هذا المشروع تمثل بالنسبة لـ"إن ستوديوز" خطوة مهمة تؤكد أن الاستوديوهات المحلية قادرة على إنتاج فن عالمي المستوى ينطلق من أرض الإمارات.
"نحن استوديو تأسس هنا، نصمم ونصنع هنا، ونستمد الإلهام من هذه الأرض. لدينا فخر كبير بأن نكون جزءًا من المشهد الفني الذي يجمع أكثر من مئتي جنسية في إطار من الوحدة والتنوع. الإمارات وحدها استطاعت أن تجمع كل هذه الثقافات في تناغم واحد."