من الزمن إلى البحر.. الأدب اليوناني يحتفي بالإنسان في الشارقة

شهادة على قوة الأدب في استحضار الذاكرة الإنسانية وصون التاريخ من النسيان
إيفجينيا داغلاس

إيفجينيا داغلاس

تاريخ النشر

على أرض الشارقة، حيث يمتزج الحرف بالضوء، وتتعانق الثقافات في حضن الكتاب، تفيض الحكايات من الشرق والغرب لتؤكد أن الكلمة لا تعرف حدوداً. من بين أروقة معرض الشارقة الدولي للكتاب، الذي يقام هذا العام تحت شعار «بينك وبين الكتاب»، يطل الجناح اليوناني ضيف شرف الدورة الرابعة والأربعين، حاملاً معه عبق حضارةٍ ضاربة في العمق الإنساني، وصوتين أدبيين يضيئان عوالم الفكر والفلسفة – الكاتبتان إيفجينيا داغلاس وتيسي بايلا – اللتان حضرتا إلى الشارقة ليتحاور الزمن والذاكرة والإنسان عبر لغتهما الأدبية الغنية بالدهشة والتأمل.

قالت الكاتبة والممارسة القانونية اليونانية إيفجينيا داغلاس إن مشاركتها في المعرض تمثل تجربة استثنائية تعني لها الكثير، مؤكدة أن معرض الشارقة الدولي للكتاب يعد منصة فريدة من نوعها للحوار والتفاعل الثقافي، وركيزة من ركائز التبادل المعرفي على مستوى العالم. وأشارت إلى أن ما يميز هذا الحدث هو انفتاحه على الأصوات العالمية وتلاحم الثقافات المتنوعة في مشهدٍ واحد يحتفي بالإنسان من خلال الأدب والفكر.

وأعربت داغلاس عن تقديرها العميق لاهتمام صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، بالثقافة والفكر والكتاب، قائلة: «إن رؤية سموّه الثقافية والإنسانية تمثل نموذجاً فريداً في دعم الإبداع والمعرفة ليس في العالم العربي وحده بل على مستوى العالم، وتعكس هذا الإيمان العميق بدور الثقافة في بناء الإنسان وتعزيز الحوار بين الشعوب».
وتضيف: «الشارقة اليوم بؤرة إشعاع ثقافي عالمي، تنسج بخيوط الفكر والإبداع جسور التواصل بين الحضارات، وتؤكد أن الثقافة وسيلة للتقريب لا للفصل، ومنارة للحوار الإنساني داخل الإنسان ذاته».

«الزمن».. مفكّرة فلسفية

وفي الجناح اليوناني، تستعرض داغلاس عملها الأدبي التجريبي «الزمن»، الذي استغرق عقداً كاملاً من الكتابة بين عامي 2006 و2016، وتصفه بأنه «مفكّرة زمنية» يتألف نسيجها من فسيفساء من الشخصيات والحكايات، جميعها تدور حول فكرة الزمن ومفهومه. بدأ هذا المشروع خلال رحلة لها إلى بولندا في عام 2006، لتتحول إلى عملٍ تأملي ينتمي إلى الواقعية السحرية ويُكتب بأسلوب تيار الوعي، تصفه بقولها: «لم تكن لدي خطة عندما بدأت الكتابة. كنت أشعر أنني على وشك خوض مغامرة طويلة على متن قطار الزمن السريع، حتى خُيّل إليّ في النهاية أن الكتاب كتب نفسه».

وترى داغلاس أن الأدب بالنسبة لها «نحت بالكلمات»، محاولة لخلق تجربة ثلاثية الأبعاد للقارئ، «حيث يشعر أثناء القراءة أنه يسير داخل فيلم مكتوب أو فيديو نصي». فهي تؤمن أن النص لا يكتمل إلا عندما يصبح تجربة حسية وفكرية في آنٍ واحد، تتشابك فيها حدود النثر بالشعر والمقال بالمسرح والأغنية بالحكاية الخرافية.

يستكشف هذا العمل مفهوم الزمن وإدراك الإنسان له، داعياً إلى «زمن شخصي» متحرر من قيود الخط الزمني الجامد الذي يقيّد البشر. ويتناول قضايا فلسفية وإنسانية شائكة مثل وحدة الإنسان وتحوّل الذات واستغلال الفرد من قبل القوى المهيمنة، لكنه في المقابل يبشّر بميلاد مجتمع جديد لا يشعر فيه المرء بالغربة بل بالحضور، مجتمع يعيش خارج الزمن لا في حصاره.

وتختم داغلاس حديثها بتأملٍ عميق: «أتمنى أن يشعر القارئ بالقوة والتجدد بعد القراءة، وأن ينهض كعملاق. إن استطاع كتابي أن يحدث هذا الأثر ولو بمقدار ذرة من الرمل، فسعادتي ستكون عظيمة».

<div class="paragraphs"><p>تيسي بايلا</p></div>

تيسي بايلا

تيسي بايلا.. الكلمة جسر بين الشعوب

إلى جانبها، حضرت الكاتبة تيسي بايلا، رئيسة نادي القلم اليوناني، لتؤكد أن حضور اليونان في الشارقة هو امتداد لحوارٍ تاريخي بين حضارتين جمعتهما الجغرافيا في الماضي وتوحّدهما الكلمة اليوم. تقول بايلا إن مشاركتها في المعرض «شرف كبير وتجربة مؤثرة»، وترى أن الكلمة الحرة وحدها قادرة على بناء الجسور بين الشعوب في زمنٍ تزداد فيه النزاعات، مؤكدة أن الأدب قوة ناعمة تُعيد إلى العالم إنسانيته.

كرّست بايلا سبعةً وعشرين عاماً من حياتها لكتابة روايتها «بحار هائجة»، المستندة إلى قصة حقيقية لبحّار مجهول أنقذ بقاربه الصغير مئات الأرواح خلال الحرب العالمية الثانية. تصفه بأنه «بطل لم يسعَ للبطولة»، ظل محتفظاً بحكايته في صمت طوال حياته، ولم تُكتشف إلا بعد رحيله. تقول: «كان هدفي إضاءة الجانب الإنساني من البطولة، تلك القوة التي تجعل الإنسان يتمسك بالأمل رغم قسوة التاريخ».

وترى الكاتبة أن روايتها تجسّد شهادة على قوة الأدب في استحضار الذاكرة الإنسانية وصون التاريخ من النسيان، وأنها تطرح من خلالها سؤال الإنسان الأزلي: كيف ينجو من فجائع الزمن ليستمر في الحياة؟ مضيفة أن الأدب هو الوثيقة الأصدق التي تسجّل انكسارات البشر وصمودهم في وجه المآسي.

حوار لا ينتهي بين الثقافتين العربية واليونانية

تؤكد بايلا في حديثها أن العلاقة بين الثقافة العربية واليونانية علاقة تمتد عبر قرون من الفلسفة والشعر والحكاية، وتصفها بأنها «حوار لا ينقطع بين عقلين متجاورين على ضفتي المتوسط». وتقول: «منذ العصور القديمة كانت الفلسفة والأدب جسوراً تربط حضارتينا. واليوم، يواصل الكتّاب العرب واليونانيون هذا الحوار من خلال تقديرهم العميق لفن السرد واللغة كوسيلة لفهم الوجود».

وتوضح أن نادي القلم اليوناني يعمل على بناء جسور ثقافية جديدة تعزز هذا التواصل، موضحة أن الأدب اليوناني بمعناه الإنساني قادر على مخاطبة القارئ العربي، لأنه يحمل القيم ذاتها: التأمل، الصمود، والإبداع.

وفي رسالتها إلى جمهور الإمارات، قالت بايلا: «الأدب يتجاوز الجغرافيا، إنه صوت التجربة الإنسانية بكل تنوعها ووحدتها في الوقت نفسه. الأدب اليوناني القديم والمعاصر يعشق الأسئلة الكبرى عن الوجود، ويُقدّر الجمال بوصفه طريقاً للحقيقة – وهذه قيم تلامس جوهر القارئ العربي».

كما شددت على أهمية المعارض الدولية للكتاب، وخاصة معرض الشارقة الدولي للكتاب ومعرض فرانكفورت، في دعم التواصل الثقافي وتعزيز الحضور العالمي للأدب اليوناني. فهذه المعارض، كما تقول، «تتيح للكتّاب والناشرين بناء الشراكات وتبادل الخبرات، وتبقي أصواتنا جزءاً فاعلاً في الحوار الإنساني حول الفن والتاريخ والهوية».

وتختم بايلا حديثها بتأملها الخاص في رسالة الأدب: «من خلال هذه المنصّات، نذكّر العالم بأن الكلمة ليست مجرّد كتابة، بل فعل حرية متجدّد، وجسر بين القلوب مهما تباعدت المسافات».

وهكذا التقت في الشارقة قصتان من اليونان: إحداهما تنحت الزمن بالكلمات حتى يتحول النص إلى لوحة حيّة، والأخرى تُعيد إلى الذاكرة وجهاً منسيّاً من وجوه البطولة الإنسانية. بين داغلاس وبايلا، بين «الزمن» و«البحر»، يُعيد الأدب تأكيد رسالته الأبدية: أن الكلمة وحدها القادرة على أن تهزم النسيان، وتمحو المسافة بين الكاتب والقارئ، بين الإنسان وأخيه الإنسان.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com