

قافلة جمال مع عائلات بدوية، عصب 1960
قبل وقت طويل من مدن الإمارات الحديثة، شقت طرق التجارة القديمة في الصحراء مسارات عبر الرمال، وفي قلب أحد هذه الممرات الحيوية تقع قرية فلي. لم تكن فلي مجرد منطقة استراحة، بل كانت نقطة تقاطع حاسمة، وملتقى صاخبًا حيث كانت القوافل المسافرة بين خليج عمان والخليج العربي تتزود بالإمدادات وتتبادل السلع وتلتمس المأوى تحت حماية حصونها.
فلي، قرية استراتيجية تقع في المنطقة الوسطى بالشارقة، تقف شاهدة على براعة الحياة الإماراتية المبكرة.
لقرون، كانت فلي مركزًا صاخبًا تلتقي فيه شرايين التجارة. اسمها مشتق من ‘الفلج’، نظام الري القديم الذي جعل الحياة ممكنة في المنطقة القاحلة. هذه الشبكة من القنوات الجوفية، التي تعود أصولها إلى العصر الحديدي أو البرونزي، استغلت المياه من الأودية والمرتفعات، ووجهتها لدعم المجتمعات والمزارع التي استقرت هناك.
بينما كانت آلاف من هذه الأنظمة موجودة في جميع أنحاء الإمارات، لم يبقَ منها سوى حوالي مائة نظام نشط اليوم، مما يجعل تراث فلي أكثر قيمة.
بُني حصن فلي المهيب بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وكان بمثابة حارس لهذا المحور التجاري الحيوي. كان جزءًا رئيسيًا من سلسلة دفاعية من التحصينات في المنطقة الوسطى، مما يوفر الأمن للقوافل التي تعبر الطرق.
أتاح الموقع المرتفع للحصن إطلالة مهيمنة على مصادر المياه الثمينة والمزارع والأراضي المحيطة، مما سمح له بحماية شريان الحياة للمجتمع من التهديدات المحتملة.
ومع ذلك، لم يكن دوره عسكريًا بحتًا. كان الحصن مركزًا للنشاط الاقتصادي، حيث كان يؤمن طرق التجارة ويجعل الفلي محطة رئيسية للقوافل للراحة وتبادل البضائع والتزود بالمياه والمؤن.
يكشف الهيكل نفسه عن غرضه الدفاعي، مع ميزات مثل الفتحات في البوابة الرئيسية التي يمكن للمدافعين من خلالها سكب الماء الساخن أو الزيت المغلي أو دبس التمر الساخن على المهاجمين.
كانت الحياة والتجارة في الفلي تمليها الفصول، مع ثلاثة مواسم رئيسية للقوافل تحدد حركة البضائع، وتمر عبر الفلي:
1. حصاد التمور (درب الكريات): خلال موسم حصاد التمور الصيفي، كانت تُنظم قوافل من الجمال، تُعرف باسم الجماميل، لنقل التمور.
2. طريق الأسماك (درب الطراريد): بدأ هذا الطريق في خور خوير في شمال رأس الخيمة، حيث كانت مجموعات من أربعة إلى خمسة رجال ينقلون حمولات تتراوح بين 20 و 25 سمكة على الجمال.
3. طريق الوقود (درب السخام): على مدار العام، شهد هذا الطريق نقل الفحم والحطب إلى الأسواق الرئيسية في دبي والشارقة، اللتين كانتا المركزين الحضريين الرئيسيين للولايات المتصالحة في ذلك الوقت.
كان الفلي بمثابة نقطة مركزية لجميع هذه الطرق الحيوية، مما عزز مكانته كقلب اقتصادي ولوجستي للمنطقة.
اليوم، يتم إعادة الفلي إلى الواجهة، بفضل رؤية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة. إدراكًا لقيمتها التاريخية، يجري تنفيذ سلسلة من المشاريع للحفاظ على إرثها ومشاركة قصتها مع العالم.
تشمل هذه المبادرات ترميم قلعة فلي، وإنشاء سوق تراثي تقليدي، وإنشاء حديقة للحيوانات الأليفة، ومشاريع تحاكي تجربة القوافل القديمة.
الأهم من ذلك، يتم ترميم أنظمة الأفلاج المانحة للحياة وإحياء المزارع، مما يبعث حياة جديدة في العناصر ذاتها التي سمحت للقرية بالازدهار لأول مرة.
من خلال هذه الجهود، ليست فلي مجرد أثر من الماضي، بل هي متحف حي، يربط الناس مرة أخرى ليس فقط ببحرين، بل بتاريخ الإمارات العربية المتحدة العميق والمرن.