

متحف مصفوت
مصفوت — القابعة في أحضان جبال الحجر — التي كانت ذات يوم قرية معزولة تعتمد على ذاتها وتنشد الأمان، ازدهرت الآن لتصبح وجهة سياحية عالمية، بعدما تُوجت مؤخراً بلقب "أفضل قرية سياحية في العالم" لعام 2025 من قبل منظمة السياحة العالمية.
هذه هي قصة مجتمع نجح، بتوجيهات قيادة حكيمة، في التغلب على الشدائد ليصبح نموذجاً مشرقاً لتقدم دولة الإمارات.
لطالما كانت جغرافيا مصفوت هي الميزة التي تحدد هويتها. تقع المنطقة جنوب الدولة بالقرب من حتا، وتمتد على مساحة تقارب 86.62 كيلومتر مربع، وتحيط بها جبال الحجر، بما في ذلك القمم البارزة مثل جبل "دفتا"، وجبل "ليشين"، والجبل الأبيض.
يقول الدكتور سيف بن عبود البدواوي، من أبناء مصفوت المولود في عام 1960 والباحث الرئيسي في تراث عجمان: "أهل منطقة مصفوت مسالمون بطبيعتهم، كانوا يبحثون فقط عن مكان آمن يتوفر فيه المأكل والمشرب".
وفرت الجبال دفاعاً طبيعياً، كما جعلت الأرض الخصبة — التي ترويها أنظمة الأفلاج القديمة والعديد من الوديان — منها مكاناً مثالياً للاستقرار. وأوضح الدكتور سيف أن اسم "مصفوت" مشتق على الأرجح من الكلمة العربية "مصفوفة"، في إشارة إلى وقوع القرية بين الجبال. ومع ذلك، يعزو البعض الاسم إلى صفاء مياهها، من كلمتي "صافي" و"صفاء".
كانت الحياة في مصفوت بسيطة، تتمحور حول الأرض من الصباح حتى الظهر، ثم يستريح السكان ليعودوا للعمل بعد ذلك. يوضح الدكتور سيف: "كانت الزراعة في مصفوت تنقسم إلى موسمين؛ الشتاء هو الموسم الأفضل بمحاصيل مثل المانجو والليمون والطماطم والخيار والذرة، أما في الصيف فكان التركيز ينصب على التمور".
اشتهرت القرية بإنتاج دبس التمر بالطريقة التقليدية في غرفة مغلقة تسمى "المدبسة". ويتذكر الدكتور سيف قائلاً: "أجمل ما في أهل مصفوت قديماً كان التعاون؛ كانوا يتعاونون في كل شيء، من جمع التمور وترتيبها إلى الزراعة وكل شؤون الحياة". كما اشتهرت مصفوت بعسل النحل الذي يُجمع من كهوف الجبال، وب الرخام عالي الجودة المتوفر بألوان متنوعة.
الدكتور سيف بن عبود البدواوي
رغم ميزاتها، جلب الموقع الاستراتيجي لمصفوت بعض النزاعات. كانت القرية الموطن التقليدي لقبيلة "البدوات"، لكن موقعها جعلها في صراع متكرر مع القبائل المجاورة. في أوائل القرن التاسع عشر، برزت قبيلة "نعيم"، وفي عام 1815 بُني مسجد "بن سلطان"، وهو أحد أقدم المساجد في المنطقة.
كانت أوائل القرن العشرين فترة اضطراب؛ حيث بنيت إحدى القبائل حصناً عند وادي حتا عام 1905، مما أدى لمضايقة القوافل والصدام مع أهل مصفوت. بُني "برج مصفوت" خلال هذه الفترة للدفاع ضد مثل هذه الغارات. وأدى تراجع اقتصاد الغوص على اللؤلؤ في العشرينيات وصعوبات الحرب العالمية الثانية إلى تفاقم الوضع، مما أدى لندرة الغذاء وغارات على القرية. وفي تلك الأوقات العصيبة، سعى أهل مصفوت للحصول على المساعدة.
بعدما لم تلقَ طلباتهم استجابة من إمارات أخرى، توجه وفد من مصفوت بقيادة سعيد بن سرور البدواوي إلى الشيخ راشد بن حميد النعيمي، حاكم عجمان آنذاك. في عام 1947، وبدعم من السكان المحليين، ضم الشيخ راشد مصفوت لتصبح جزءاً من إمارته، ومنذ ذلك الحين وهي تابعة لعجمان.
يقول الدكتور سيف: "أصبح الشيخ راشد حامياً للقرية، وتدخل شخصياً لإنقاذ النساء اللواتي اختطفهن اللصوص، إما عبر عمل مباشر أو بإرسال مبعوثين للتفاوض". وجلب وجوده شعوراً بالأمان، "بمجرد سماع طلقات نارية في الهواء، كنا نعرف أنه موجود في مصفوت". كان الشيخ راشد يزور المنطقة لمدة ثلاثة أيام شهرياً، حيث يعقد مجلساً غير رسمي تحت شجرة للاستماع لمشاكل الناس.
امتدت رؤية الشيخ راشد إلى ما هو أبعد من الحماية؛ ففي عام 1950 رمم برج مصفوت، وفي عام 1952 كان أول حاكم في الإمارات المتصالحة يصدر جوازات سفر، مما مكن المواطنين من العثور على عمل في قطاع النفط. كما أمن التمويل لحفر الآبار وتنظيف الأفلاج، وأسس أول مدرسة نظامية عام 1964 وأول عيادة عام 1963. وفي عام 1968، رتب لبناء 30 منزلاً خرسانياً للقرويين.
سعى الشيخ راشد للحصول على دعم مجلس الإمارات المتصالحة لتطوير مصفوت، لا سيما من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حاكم أبوظبي آنذاك وأول رئيس للدولة. ويُعرف عن القائدين وجود رابطة خاصة كانت أساسية في تأمين الموارد والدعم لتنمية مصفوت.
اليوم، وتحت رؤية "مصفوت 2030"، واصلت حكومة عجمان البناء على الأساس الذي وضعه الشيخ راشد، محولةً القرية إلى وجهة سياحية عالمية. وتضم مصفوت الحديثة العديد من المعالم الجذابة، منها:
بوابة مصفوت: التي ترحب بالزوار بجمالها المعماري.
متحف مصفوت.
قلعة مصفوت.
مسجد بن سلطان: المعلم التاريخي الذي يعود لعام 1815.
مسارات المشي الجبلية (Hiking).
نادي الفروسية والرماية.
المنتزهات والمهرجانات.