مرض جميل لا يُشفى منه أحد": "هبة" تُعالج العالم بالأمل

في "الشارقة للكتاب""هبة الأمل".. حيث ينحني الوجع أمام الإيمان، وتُنسج سيرة البطولة بدموع الصبر لا بالكلمات
مرض جميل لا يُشفى منه أحد": "هبة" تُعالج العالم بالأمل
تاريخ النشر

في مساءٍ لا يُشبه الأمسيات العادية في رحاب معرض الشارقة الدولي للكتاب، تدفّق الجمهور حول منضدة توقيع، حيث جلست فتاةٌ تُدعى هبة. لم تكن الملامح هي ما خطفت الأنظار، بل عمقُ نظرةٍ حملت بين طياتها سجلّاً كاملاً من الصراع والرضا. كانت روايتها، «هبة الأمل»، ليست مجرد مدادٍ على ورق، بل وثيقة ميلادٍ جديدة لروحٍ أبت الانكسار. احتشد الجمعُ بين تصفيقٍ مدوٍّ ودموعٍ صامتة، مدركين أنهم أمام معجزةٍ إنسانية: فتاةٌ صنعت من أشد الأقدار قسوةً جسر عبور إلى النور.

ليست هذه حكايةً مُتخيلة، بل حياةٌ كُتبت بالدمع قبل أن تُنحت بالحرف. هبة لم تتبادل ألعاب الطفولة، بل تبادلت الأنفاس الحذرة مع متلازمتي تصلب الجلد وظاهرة رينود. تحوّل جسدها إلى ساحة معركة، تجمّدت فيها المفاصل، وتسلل الألم إلى كل طرف، حتى أصبحت صلاتها تُؤدّى على كرسي، بيد أن قلبها كان قائماً في محراب الإيمان، رافضاً الاستسلام للقَدَر.

تروي هبة، بلسانٍ يقطر سكينةً: "كان تواصلُ الأمل الأول لي مع برنامج ألم وأمل بمنزلة تحوّلٍ قُدسيّ في مسيرتي". هناك، وجدَت في الطبيبة منال سيد رزق أماً روحانية، فتحت لها نوافذ العلاج والحنان. وفي أولى ليالي الوحدة القاسية في المستشفى، تتذكر هبة: "الليلُ كان طويلاً، لكن الإيمان كان أطول. شعرتُ بالوحدة، لكنني لم أُستوحش، كنت أعلم أن الله معي".

أما الاختبار الذي صقل روحها، فكان على مرأى من طلاب طبٍّ جاءوا لمعاينتها. حين قابلت إحداهن سخريةَ وجهها بأرقّ دعوةٍ للصفح، علّمتهم هبة درساً أعمق من كل المناهج: الرحمةُ قبل التشخيص. ففي اليوم التالي، عادوا تائبين، ليجدوها كما اسمها — هبةً من الإصرار والعفو.

تحت رعاية الأب الروحي والطبيب علي سنكل، الذي اختار المنهج الإنساني قبل المبضع، بدأ فصلٌ جديد من العلاج. لقد رآها "ابنةً في عهدته"، لا مجرد ملفٍ طبي. وبهذا الدعم، تحدّت هبة جسدها المنهك، فأتمت دراستها، ونالت وظيفتها، وتعلّمت القيادة، وحاربت ضعف مفاصل قدميها بعملية "تخريم العظام" الأكثر خطورة والأكثر أملاً. جلست على الكرسي المتحرك، لكن عجلات الألم كانت تدور لتُعجّل خطاها نحو الأمام.

ثم جاءت عاصفة الفقد التي لا يُداويها طبّ: رحيل الأم في 2018، وتبعه الأخ. تتنهّد هبة: "صراعُ أمي مع مرضها تزامن مع صراعي مع ألمي. حين رحلت، ورثتُ مسؤولية العائلة، وكان الألم ثقيلاً كجبلٍ، لكنه لم يقتلع جذور الأمل من قلبي".

من صقيع الحزن وحرارة الصبر، انطلقت رواية «هبة الأمل»، لتكون بياناً فلسفياً حول كيفية تحويل الأنقاض إلى إبداع. هي ليست مجرد سيرة ذاتية، بل ميثاقٌ يوقّعه القارئ مع ذاته، يعترف فيه بأن أشد التجارب يمكن أن تُصبح مرآةً للقوة.

وفي قلب الكتاب، يتردد صوت المحررة صافيناز يونس التي آمنت بمسيرة هبة: "كانت إبنة البيت وقصة نادرة، حفرت في داخلي أثراً لا يُمحى". لقد أكدت هبة لمن عانوا أن البطولة ليست في الصخب، بل في الصبر الذي يُكتب بهدوء ويُروى بفرح.

صعدت هبة منصة التوقيع لتُنهي حكايتها بعبارةٍ خالدة: "المرضُ كان ولادتي الأولى، والأملُ ولادتي الثانية". ثم أردفت بوضوح امرأةٍ عرفت ثمن الحياة: "القوة ليست في العضلات ولا في جمال الملامح، بل في القدرة على تحويل الوجع إلى ضوء". وغادر الجميع، تاركين خلفهم كتاباً ليس للقراءة فحسب، بل لتجربةٍ تُعاش، لِتُذكّر الجميع بأن الأمل — متى سكن الروح — هو مرضٌ جميل لا يشفى منه أحد.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com