عندما تتحدث الوثائق.. الشارقة تُنصت لذاكرة الإمارات

تبرز مجموعة نادرة توثّق تاريخ الإمارات قبل قيام الاتحاد، تضم صحفاً ومجلات من خمسينيات وستينيات القرن الماضي
عندما تتحدث الوثائق.. الشارقة تُنصت لذاكرة الإمارات
تاريخ النشر

في أروقة معرض الشارقة الدولي للكتاب، لا تقتصر الحكايات على صفحات الروايات أو مؤلفات الكتّاب المعاصرين. هنا، في ركنٍ هادئ تفوح منه رائحة الزمن، تتكلم الوثائق القديمة وتهمس الصور الصفراء بأسرار التاريخ. خلف هذا الركن يقف محمد صادق، مدير "مؤسسة الأرشيف العربي للترس"، بشغف الورّاقين الأوائل وإصرار المؤرخين، حاملاً رسالة عنوانها: "حفظ الذاكرة... وصون الحكاية".

من الورّاق إلى الأرشيفي

محمد صادق، المولود في عائلة مصرية عُرفت بمهنة الورّاقين، ورث حبّ الورق والحرف منذ صغره. كانت البداية مكتبة صغيرة تبيع الكتب والمخطوطات، قبل أن تتحول إلى مشروع ثقافي متكامل هو "مؤسسة الأرشيف العربي للترس"، التي تعمل منذ أكثر من قرن على حفظ وأرشفة الوثائق والمجلات والصور الأصلية النادرة، مقدّمةً للباحثين والمهتمين بالتاريخ العربي نافذة أصيلة على الماضي.

يقول صادق إن ما يميز مؤسسته عن غيرها هو اعتمادها الكامل على النسخ الأصلية، لا المصوّرة، فهي – كما يصفها – "تحمل عبق الحقيقة وتبقي الماضي حياً في الملمس والرائحة والحبر".

إرث إماراتي قبل الاتحاد

ضمن مقتنيات المؤسسة تبرز مجموعة نادرة توثّق تاريخ الإمارات قبل قيام الاتحاد، تضم صحفاً ومجلات من خمسينيات وستينيات القرن الماضي تتناول قضايا التعليم والسياسة والمجتمع في "الساحل المتصالح" قبل عام 1971. كما تحتوي المجموعة على صور أصلية لشخصيات وطنية بارزة ومقالات تؤرخ بدايات العمل الحكومي والاقتصادي في الدولة.

يفخر صادق بأن الأرشيف الوطني الإماراتي وجهات رسمية أخرى تلجأ أحياناً لمؤسسته للتحقق من تواريخ وأحداث دقيقة، ما يعكس الثقة في قيمة الأرشيف كمصدر موثوق للذاكرة الوطنية.

ذاكرة الإمارات في المعرض

تُعد مشاركة "الأرشيف العربي للترس" في معرض الشارقة الدولي للكتاب للسنة الثالثة على التوالي حدثاً لافتاً في المشهد الثقافي. فالمعرض، كما يقول صادق، "ليس مجرد ملتقى للكتب، بل مسرح يلتقي فيه الماضي بالحاضر".

ويعرض ركن المؤسسة أرشيفاً بصرياً ووثائقياً يوثق سبعين عاماً من مسيرة الإمارات، من الوثائق الرسمية إلى الصور النادرة والمجلات القديمة التي وردت من مصر والعراق والسودان وإنجلترا وفرنسا. إنها حكاية الاتحاد مكتوبة بحبرٍ لم يجفّ بعد.

الوثيقة الأصلية… ذاكرة لا تموت

يرى محمد صادق أن الوثيقة الأصلية لا يمكن أن تفقد مكانتها مهما تقدمت التكنولوجيا، فهي "الدليل الحي" على التاريخ و"الشاهد النزيه" على الزمن. يقول: "قد تُعرض المعلومات على الشاشات، لكن الورق الأصلي يظل ينبض بالحياة، يحمل توقيعاً وخطاً ورائحة تشهد على زمنٍ وأشخاصٍ مرّوا من هنا".

رسالة تتوارثها الأجيال

لا يعتبر صادق عمله مهنة تجارية، بل رسالة حضارية يسعى إلى توريثها لأبنائه، مستشهداً بقوله تعالى: "اقرأ"، ليؤكد أن العودة إلى الجذور وحفظ المعرفة هما سرّ نهضة الأمم. ويأمل أن يرى المزيد من الشباب العربي يتجه إلى مهنة الأرشفة بوصفها مسؤولية أخلاقية وثقافية تجاه التاريخ.

حكايات تُلهم الزوار

ما يلفت الانتباه في جناح المؤسسة هو تفاعل الزوار، خصوصاً الأطفال، مع الوثائق والصور القديمة لشخصيات بارزة مثل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه. يرى صادق أن هذا المشهد يجسد لحظة وعي وارتباط بالهوية، فـ"من يرى الماضي بعينيه، يعشق الوطن بقلبه".

ختام يليق بالذاكرة

في نهاية حديثه، عبّر صادق عن شكره العميق لإمارة الشارقة التي فتحت نوافذ واسعة لذاكرة العرب عبر معرضها الدولي للكتاب، مؤكداً أن هذا الحدث يجمع بين الحرف والهوية، ويجسد رؤية الشارقة العاصمة الثقافية التي لا تكتفي بالاحتفاء بالكتاب، بل تحفظ من خلاله روح الأمة وتاريخها.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com