عتيقة المحيربي
على أرض الإمارات، لا يقتصر التراث على الماضي فقط، بل ينبض في وجدان الجيل الحاضر، تحمله أيادٍ ناعمة، لكنها قوية وراسخة كجذور النخيل، تتوارثه الأمهات عن الجدات وتنقله البنات بحب واعتزاز للأحفاد. وفي يوم المرأة الإماراتية، يتجدد الاعتزاز بدور المرأة كحارسة لهذا الإرث الثمين، وراوية لتاريخه، وصانعة مستقبله. في مشهد تتعانق فيه الأصالة مع معطيات العصر، تُثبت المرأة الإماراتية أن الحفاظ على التراث هو رسالة حياة، ومسؤولية جماعية، تعبر عن حب عميق وانتماء صادق للأرض والوطن.
تأتي " عتيقة المحيربي" اليوم لتروي لنا حكاية التراث كما عاشته وعشقته، وتفتح أمامنا نافذة على عالم الحرف اليدوية، حيث تجتمع الذكريات مع الإبداع، وتلتقي العراقة بالحداثة.
من بين خيوط التلي ونقوش السدو، تنسج عتيقة المحيربي قصص الجد والعمل، وأسرار الانتماء العميق. من خلال هذا الحوار، نُلقي الضوء على رحلة كفاح امرأة إماراتية جعلت من الحفاظ على التراث رسالة عمر، مؤمنة بأن هويتنا تبدأ من تقديرنا لإرثنا، وأن المرأة هي قلب التراث ونبضه، تنبثق منها روح المجتمع، وتزدهر بها ذاكرة الوطن. هذا الحوار احتفاءٌ بالمرأة الإماراتية التي صنعت من شغفها بالتراث طريقاً للحياة والإبداع.
روح تحفظ التراث وتنقله للأجيال
في يوم المرأة الإماراتية، كيف تصفين دورك كإماراتية في الحفاظ على التراث الوطني؟
أنا، بنت الإمارات، أعتبر نفسي حارسة لتراث أجدادي. كل ما تعلمته من أمي وجدتي، من تطريز وطبخ ولهجة وأسلوب المجلس الإماراتي، أحرص أن أنقله لأولادي وأحفادي. الحفاظ على التراث بالنسبة لي ليس مجرد مسؤولية، بل حب وانتماء. بفضل دعم القيادة الرشيدة، أصبح للمرأة اليوم صوت قوي ومساحة حقيقية تصون فيها تاريخ بلادها وتفخر به أمام العالم.
كيف بدأت رحلتك مع الحرف التقليدية مثل التلي؟ وما الذي ألهمك للاستمرار؟
رحلتي مع التلي بدأت حين كنت صغيرة، أراقب أمي وجدتي بأيديهن الذهبية يحيكن ويبدعن. لم يكن العمل الحرفي مجرد شغل يدوي، بل جلسة عامرة بالذكريات والقصص. ارتباط الحرفة بلمّة العائلة هو ما رسخها في قلبي. شعرت دائماً أنها جزء مني ومن هويتي، وأرى من واجبي أن لا تندثر. اليوم أسلم هذه الرسالة لبناتي وبنات جيراننا كي يبقى هذا التراث حياً معنا.
ما الذي يميز المرأة الإماراتية في حفظ التراث؟
المرأة الإماراتية ليست مراقبة للتراث، بل قلبه النابض. من التلي وصناعة الخوص إلى الطبخ الشعبي ورواية الحكايات، كانت دوماً من تُمعن في نقله وتعليمه، هي التي تعيش التراث وتحمله في تفاصيل يومها وتنقله بحب لأبنائها، واليوم تكمّل هذا الدور عبر التعليم والمراكز التراثية. ما يميزها أنها مصدَر حيّ للذاكرة الإماراتية وليست صفحة من كتاب.
ما هي أبرز التحديات التي واجهتك كامرأة عاملة في مجال التراث، وكيف اجتزتها؟
من أكبر التحديات النظرة بأن التراث لا يمثل مستقبلًا أو مجرد هواية للمرأة، وأنه ليس بمصدر دخل أو نجاح مهني. بإصراري وحبي لهويتي، وبدعم أهلي والدولة، استطعت أن أشارك في معارض وأدرّب أجيالاً جديدة، وأثبت أن التراث قيمة وفخر بل ومجال للعمل والابتكار. الطريق لم يكن سهلاً، لكن ثقتي بما أحمله كانت دافعي الأكبر.
كيف ترين اهتمام الشباب اليوم بالتراث؟ وهل الجهود كافية لإيصال الرسالة؟
الحمد لله، أجد شباب اليوم أكثر اهتماماً، خاصة حين نقدّم التراث بروح عصرية: في المدارس والمتاحف وحتى على منصات التواصل. لكننا بحاجة لمزيد من الجهد، نريد أن يعيشوه كتجربة وليس كقطع معروضة. البرامج موجودة والدعم كبير، لكن الاستمرارية ضرورية. التراث لا نحفظه فقط، بل نزرعه في قلوبهم بمحبة ووعي.
كيف توازنين بين أنوثتك كحارسة للتراث وبين الحياة العصرية الحديثة؟
أنا أؤمن أن التراث والحياة العصرية مكملان لبعضهما. أتابع الحداثة، أستخدم التكنولوجيا في حياتي اليومية، لكن في ذات الوقت أحافظ على لباسي الإماراتي وطقوس بيتي المفعمة بالهوية. التوازن يأتي من الفخر بالأصل، ومن إيماني أن من ليس له ماضٍ لا يملك حاضراً قوياً ولا مستقبلاً مضموناً.
هل لديك ذكرى أو قصة ملهمة تودين أن توصليها للفتيات الإماراتيات؟
أذكر تلك الأيام التي كنت أراقب فيها أمي وجدتي منشغلتين بالحرفة في زوايا العائلة الدافئة. تلك الأنامل وهي تنسج التلي وتخيط بثقة، كانت مصدر إلهام عظيم لي دون أن أشعر. كنت ألتقط الخيط وأحاول أن أقلدهن، فكبر معي هذا العشق وتحول إلى رسالة أعيشها كل يوم.
ما نصيحتك للنساء الإماراتيات الراغبات في الدخول لعالم التراث أو الحرف اليدوية؟
أنصح كل امرأة إماراتية شغوفة بالتراث أن تبدأ أولاً من قلبها. تاريخك وهويتك كنز لا يقدر بثمن. الحرف اليدوية لغة تصِلين بها جذورك بحب الأرض. لا تخافي من التجربة، ولا تظني أنها مجال صغير، بل بوابة للإبداع ولابتكارك الشخصي. خذي أول خطوة، وستجدين أن طريق الهوية يُقربنا لأنفسنا أكثر.
كيف يعزز التراث من هوية المرأة الإماراتية وحضورها في المجتمع؟
التراث هو الجذر العميق الذي تنبع منه هويتنا. المرأة الإماراتية كانت دائما في قلبه؛ صانعة للقصة، ناشرة للقيم، حافظة للأصل. عندما تعتنق المرأة تراثها، فإنها لا تحمي الماضي فقط، بل تبني لحاضرها وجيلها قاعدة راسخة يعرفون بها من أين أتوا وإلى أين يتجهون. التراث يمنحها صوتًا وعمقًا وهوية يحترمها الجميع.