

في وقت تسافر فيه الشائعات، والمعلومات المضللة، والتكهنات عبر الإنترنت غالباً بسرعة أكبر من الحقائق المؤكدة، اختارت دولة الإمارات عدم الانجرار إلى ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي. وبدلاً من ذلك، اتخذت موقفاً مدروساً مفاده أن الصمت لا ينبغي أن يُنظر إليه كضعف، بل كانعكاس للثقة والقوة.
وفي جلسة حوارية بعنوان "ما هي سردية الإمارات؟" خلال "قمة المليار متابع" في دبي، قال معالي عبدالله بن محمد بن بطي آل حامد، رئيس المكتب الوطني للإعلام، إن الدولة لا تُدار ولا تستجيب بناءً على الضغوط الرقمية، أو الصيحات المنتشرة، أو الروايات الزائفة. بل إن قراراتها تتشكل من خلال رؤية طويلة المدى، وقيادة متزنة، وفهم واضح لقوتها الناعمة.
وقال: "لقد بُنيت الإمارات من خلال الخبرة، والتعلم، والقرارات الاستراتيجية المتخذة على مدى سنوات وليس أياماً. هي تستجيب عندما تختار ذلك، وبالطريقة التي تختارها. الصمت، في كثير من الحالات، هو قوة".
تطرق آل حامد إلى الجدل المتزايد والتكهنات عبر الإنترنت حول مواقف الإمارات الإقليمية والدولية، موضحاً أن الروايات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي غالباً ما لا تعكس الواقع على الأرض. وشدد على ضرورة عدم الخلط بين الضجيج الرقمي والحقيقة، كما يجب ألا يملي هذا الضجيج الاستجابات الوطنية.
وقال: "ما نراه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يمثل واقع الإمارات. نحن نتبع ما نراه، وما يُبنى، وما يتحقق. نحن لا نتبع الشائعات".
وأوضح أن نهج الإمارات متجذر في القوة الناعمة، مع التركيز على تطوير الإنسان قبل المشاريع، وبناء المصداقية من خلال العمل الفعلي بدلاً من مجرد رد الفعل. وأشار إلى أنه منذ الأيام الأولى للدولة، منحت القيادة الأولوية للاستثمار في التنمية البشرية إلى جانب البنية التحتية والتعليم والابتكار، مؤكداً أن "سردية الإمارات هي الإنسان.. المصانع والمباني جاءت لاحقاً، لكن التركيز منذ البداية كان على بناء البشر".
ورداً على المزاعم التي تقول إن الصمت قد يُفسر على أنه ضعف، رفض آل حامد هذه الفكرة تماماً. فوفقاً له، يعكس ضبط النفس النضج والوعي والثقة في التوجه، خاصة في بيئة رقمية شديدة الاستقطاب.
وقال: "غالباً ما يُساء فهم الصمت، لكن الصمت ليس ضعفاً. إنه اختيار عدم الانخراط في نقاشات تافهة لا تخدم الحقيقة أو التقدم". وأضاف أن مجتمع الإمارات المتنوع والمتصل عالمياً قد طوّر مستوى عالياً من الوعي الإعلامي، مما يسمح للسكان والمواطنين بالتمييز بين الحقيقة والافتراء دون الحاجة إلى ردود رسمية مستمرة.
وتابع: "لدينا مجتمع واعي يدرك الواقع دون الحاجة لردود يومية.. نحن نتبع الحقيقة لا الأوهام".
تحدث آل حامد أيضاً عن تطور الإعلام في الدولة، واصفاً إياه بأنه قطاع اقتصادي متنامٍ وركيزة أساسية للقوة الناعمة للدولة. وبينما لم يكن الإعلام يُنظر إليه في البداية كمحرك اقتصادي، إلا أن تلك الرؤية تحولت تماشياً مع التحولات العالمية.
وقال: "الإعلام اليوم استثمار وقطاع استراتيجي، فهو يشكل كيفية رؤية الإمارات عالمياً، ولهذا السبب استثمرنا فيه". وأشار إلى أن الإمارات اختارت نموذجاً للحوكمة لا يتبع الأطر التقليدية، بما في ذلك غياب "وزارة للإعلام والصحافة"، مما يسمح بمرونة أكبر وابتكار وتواؤم اقتصادي، مضيفاً: "نحن نعمل بعقلية الشركة، لا البيروقراطية؛ نموذج يدعم التنمية والاقتصاد وكيفية تقديم الإمارات لنفسها للعالم".
وحول حرية التعبير، قال آل حامد إن الإمارات تدعم الإعلام المسؤول، المحمي بقوانين واضحة تصون الإبداع مع الحفاظ على الهوية الثقافية. وتطرق إلى النقاشات حول التمثيل الثقافي، بما في ذلك استخدام الزي الإماراتي واللهجة في الإعلام، مؤكداً أن الأصالة والاحترام أمران أساسيان، قائلاً: "إذا كنت تستطيع تمثيل الهوية الإماراتية بشكل صحيح، فهذا شرف، ولكن إذا أُسيء تمثيلها، فلا ينبغي إظهارها".
وفي ختام كلمته، وجه آل حامد رسالة إلى صناع المحتوى والإعلاميين، حثهم فيها على فهم العالم الرقمي الذي يعملون فيه والمسؤولية التي تأتي مع التأثير، مختتماً بالقول: "عالمنا اليوم رقمي وليس ورقياً، وله قواعد وحدود يجب احترامها. وأولئك الذين يفهمون هذا هم من سيشكلون المستقبل".