

عباس الجمل
من مستشعرات الكاميرا داخل الهواتف الذكية إلى شبكات الاتصال التي تنقل البيانات عبر الكوكب، يستخدم المليارات يومياً تقنيات صاغها العالم العربي عباس الجمل.
هذا العام، تم تقدير مساهمته الممتدة لعقود في مجالات التصوير والإلكترونيات والاتصالات عندما تم اختياره كأحد الفائزين بمبادرة "نوابغ العرب" لعام 2025، والتي أعلن عنها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.1
وكان الجمل أول فائز يعلن عنه الشيخ محمد عبر منصة "إكس" في 10 ديسمبر، تلاه الكشف عن مجموعة من الفائزين الآخرين في الأيام اللاحقة. وقد وضع هذا الإعلان تركيزاً مبكراً على الدور الذي لعبه العلماء العرب في صياغة التقنيات الجوهرية التي ترتكز عليها الحياة الحديثة.
وفي مقابلة حصرية مع "خليج تايمز"، استعرض الجمل كيف تحولت الأبحاث التي بدأت قبل عقود لتحدث تحولاً في الصناعات العالمية. وقال: "بحثي الذي ساهم في تطوير مستشعرات الصور (CMOS) كان موجهاً نحو الهندسة أكثر من الجانب النظري، لكنني لم أتوقع أبداً أن ينتشر بهذا القدر الواسع كما هو الحال الآن".
ومستشعرات الصور (CMOS) هي تلك الرقائق الإلكترونية الدقيقة التي تحول الضوء إلى صور رقمية، وهي تقع في قلب كاميرات الهواتف الذكية والعديد من أجهزة التصوير الأخرى.
وعندما بدأ الجمل وأقرانه في استكشاف مستشعرات (CMOS)، كانت الهواتف المحمولة تُستخدم فقط للمكالمات الصوتية، وكانت الكاميرات إما تعتمد على الأفلام أو على "أجهزة شحن المقترنة" المعروفة بـ (CCDs)، والتي كانت تستهلك طاقة عالية وغير مناسبة للدوائر المتكاملة.
يتذكر الجمل قائلاً: "في ذلك الوقت، لم تكن فكرة مستشعرات (CMOS) تُؤخذ على محمل الجد كشريك منافس لـ (CCDs) في جودة الصورة". وأشار إلى تنظيمه حلقة نقاش في مؤتمر دولي كبير عام 1997 بعنوان "هل ستحل مستشعرات CMOS محل CCDs يوماً ما؟"، حيث كان معظم الخبراء يعتقدون جازمين أن الإجابة هي "لا". وأضاف: "البقية أصبحت تاريخاً".
واليوم، توجد مستشعرات (CMOS) في الهواتف الذكية، وأنظمة الأمن، والأجهزة الطبية، والمركبات، لتشكل العمود الفقري للتصوير الحديث.
ابقَ على اطلاع بآخر الأخبار. تابع خليج تايمز على قنوات واتساب.
أُطلقت مبادرة "نوابغ العرب" لتسليط الضوء على المفكرين والعلماء والمبتكرين العرب الاستثنائيين الذين كان لعملهم تأثير عالمي دائم. وتهدف المبادرة، التي تُعلن سنوياً، إلى الاحتفاء بالتميز في مجالات تشمل العلوم والتكنولوجيا والطب والثقافة والعلوم الإنسانية، مع تشجيع الأجيال القادمة على متابعة البحث والابتكار. ويتم اختيار الفائزين بناءً على عمق وتأثير ومساهمة عملهم طويلة الأمد، مع التركيز على الأفكار التي تطور المعرفة البشرية والتنمية إقليمياً ودولياً.
بالإضافة إلى التصوير، ساعد عمل الجمل في تطوير "مصفوفات البوابات المنطقية القابلة للبرمجة الميدانية" (FPGAs)، التي بسطت وخفضت تكلفة تصميم الأنظمة الإلكترونية.2 وبينما كان يتوقع تبني المهندسين لهذه الأدوات، قال إنه لم يتوقع مدى انتشارها الواسع في التعليم والنماذج الأولية للأنظمة.
كما صاغت مساهماته في "نظرية معلومات الشبكة" كيفية تعامل أنظمة الاتصالات الحديثة مع البيانات والتداخل. وأثرت هذه الأبحاث على التقنيات السلكية مثل خطوط المشتركين الرقمية (DSL)، والأنظمة اللاسلكية التي تتراوح من الجيل الثالث (3G) إلى شبكات الجيل الخامس (5G) الحالية، مع انعكاسات على تطوير الجيل السادس (6G) مستقبلاً.
وأوضح الجمل: "هناك طريقة بسيطة لتجنب التداخل وهي جعل المستخدمين يتناوبون في الإرسال، لكن هذا غير فعال للغاية. لقد أظهرت نظرية معلومات الشبكة أنه يمكننا القيام بما هو أفضل بكثير". وكانت إحدى نتائج هذا البحث هي استخدام هوائيات متعددة في المحطات الأساسية والأجهزة المحمولة، مما يسمح بنقل عدة تدفقات من البيانات في وقت واحد، وهو نهج يعد الآن ميزة أساسية في معايير الهاتف المحمول الحديثة.
وعن دور العالم العربي في صياغة تقنيات المستقبل، قال الجمل إن الباحثين العرب يقدمون بالفعل مساهمات ذات مغزى، رغم أن الكثيرين منهم يقيمون في الخارج. وأضاف: "الباحثون في العالم العربي يمكنهم الاستفادة بشكل كبير من التعاون معهم من خلال مشاريع بحثية مشتركة ومحاضرات واستشارات"، مشيراً إلى أن المنطقة بحاجة لمزيد من الاستثمار طويل الأمد في البحث وبناء القدرات للانتقال من "استهلاك" التكنولوجيا إلى "ابتكارها".
كما شدد على أهمية تقدير الإنجازات العلمية، قائلاً: "إن رفع مكانة الباحثين من خلال مبادرات مثل جوائز نوابغ العرب سيلهم الجيل القادم من العلماء والمهندسين العرب".
وبالنسبة للجمل، فإن هذا التقدير يحمل وزناً شخصياً؛ حيث قال: "هذه أول جائزة أحصل عليها من دولة عربية. ورغم أنني غادرت مصر والعالم العربي منذ أكثر من خمسين عاماً، إلا أن مصر والعالم العربي لم يغادراني أبداً". وأكد أن تكريمه ضمن مبادرة برعاية الشيخ محمد كان أمراً ذا معنى عميق، مهنياً وشخصياً.