"طبلة"..خيط حرير من الشارقة إلى ضفاف الأمازون

انطلقت دار النشر البرازيلية في مشروعها الجريء لترجمة مختارات واسعة وعميقة من مدوّنة الأدب العربي.
"طبلة"..خيط حرير من الشارقة إلى ضفاف الأمازون
تاريخ النشر

في كل معرض للكتاب، لا تُعرض الصفحات وحسب، بل تُبنى الجسور؛ تُنصب خيام اللقاء بين الحضارات. وعلى أرض الشارقة، منارة الثقافة العربية، لمع نجمٌ برازيليٌّ صغيرٌ حمل على عاتقه مهمة عظمى: مدّ يد الأدب من شطآن العرب إلى ضفاف الأمازون، وفي خضمّ الحراك الثقافي، ظهر اسمُ دار نشرٍ فتيةٍ، لكنها كانت محملة بشغفٍ عتيقٍ تجاه عمق الروح العربية. «طبلة»، الاسم الذي اختارته المؤسستان، لورا دي بيترو وآنا كارتاشو، لم يكن مجرد علامة تجارية، بل بياناً ورسالة تنص على هدفٍ لا حياد عنه: أن يكون الأدب العربي بمثابة خيط الحرير الذي يصل القارئ الناطق بالبرتغالية بسحر الشرق وأسراره الخفية.

<div class="paragraphs"><p><strong>لورا دي بيترو</strong></p></div>

لورا دي بيترو

نور العربية يخترق غياب البرازيل

لا تخفي لورا دي بيترو، خلال إطلالتها البهية في الدورة الرابعة والأربعين من معرض الشارقة، دهشتها من الفجوة المعرفية التي كانت تحيط بالأدب العربي في الساحة البرازيلية. تشير لورا إلى أن التوجه نحو كنوز العربية بدأ منذ اللحظات الأولى لتأسيس الدار، لكن نقطة التحول النوعية تبلورت في عام 2020، عندما انطلقت «طبلة» في مشروعها الجريء لترجمة مختارات واسعة وعميقة من مدوّنة الأدب العربي.

تقول دي بيترو إن هذا الأدب، رغم غناه الفكري والإنساني، كان يعاني من شبه غياب مطلق عن القارئ البرازيلي، على الرغم من فضوله الفطري لاكتشاف ثقافات جديدة؛ فكانت رسالة الدار هي منح هذا القارئ الفرصة للاقتراب من هذه الأصوات الأصيلة.

التزام

لم يكن اختيار نقطة البدء عشوائياً، بل كان قراراً استراتيجياً مُفعماً بالالتزام؛ فقد اختارت "طبلة" أن تنحت مجدها على صخرة الشعر الفلسطيني الخالد. خاضت الدار غمار التحدي بترجمة ستة دواوين عملاقة للراحل محمود درويش، رائد شعر المقاومة الإنسانية، بما في ذلك رائعتي «أحد عشر كوكباً» و«في حضرة الغياب». وقد شكلت هذه الخطوة، المغلّفة بالجرأة، نقطة تحول محورية: حيث قادت الدار إلى الفوز بجائزة ترجمان عام 2021.، ولفتت انتباه الشباب البرازيلي إلى عمق شعر درويش، كما أدت إلى تداول مفردة مثل "نكبة" بين القراء، بعد اعتمادها بوعي في الترجمات، مما عمّق الفهم الإنساني للقضية.

وتؤكد دي بيترو أن الشعر العربي يمثل "قوة ناعمة" لا تُقهر، قادرة على تبديد الصور النمطية الظالمة عن العالم العربي، شريطة أن تحظى حركة الترجمة بالرعاية والدعم الكافيين. مشيدةً في السياق ذاته بالجهد المتمكن للمترجم البرازيلي من أصول لبنانية، الدكتور ميشيل سليمان، الذي قدم نصوصاً أمينة وشفافة احتفظت بـ "حرارة النص الشعري" الأصلي بعد نقله.

امتداد الصوت

بعد نجاح الإصدارات الدرويشية، توسعت الدار في مشروعها، فترجمت ديوان «غزة أرض القصيدة» للشاعر محمد تيسير و17 شاعراً من غزة، وكان إصدارها هو أول ترجمة أجنبية للعمل، خصصت الدار عائداته بالكامل لدعم مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي في فلسطين، مؤكدة بذلك على البعد الإنساني لرسالتها.

وفي استشراف للمستقبل، تكشف آنا كارتاشو عن مشروع قادم لترجمة مجموعة من أعمال الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان، مؤكدة أن صوتها الشعري العميق يستحق أن يصل إلى القارئ البرازيلي. وتصف طوقان بأنها "كاتبة استثنائية حولت الألم الإنساني إلى طاقة شعرية تعبر الحدود".

لم يتوقف اهتمام "طبلة" عند الشعر، ففي مجال السرد، أولت الدار عناية فائقة لأعمال غسان كنفاني، التي فتحت نافذة جديدة لفهم القضية الفلسطينية من زاوية إنسانية عالية. بدأت الدار برواية «عائد إلى حيفا» التي تصفها كارتاشو بأنها "تجربة إنسانية عالية تكشف معنى الفقد والانتماء"، لتتبعها بترجمة «أم سعد»، «رجال في الشمس»، و«ما تبقى لكم»، وهي أعمال أثرت بعمق في القراء الشباب في البرازيل.

وفي عام 2022، أضافت "طبلة" لمسة فريدة بإصدار النسخة البرتغالية من قصة الأطفال «القنديل الصغير» لكنفاني، وذلك بالتعاون مع ليلى كنفاني التي أسهمت في إخراج الترجمة استناداً إلى النسخة الأصلية المكتوبة بخط يد والدها، في تكريم مؤثر لإرث الكاتب.

وتختتم آنا كارتاشو رؤية الدار بقولها: "الترجمة ليست عملية لغوية فحسب؛ إنها فعل ثقافي نبيل يعيد بناء الجسور بين الشعوب. نحن نؤمن إيماناً راسخاً بأن الأدب العربي قادر على لمس القلوب أينما وصل، وأن رسالته الإنسانية العميقة تعبر اللغات والقارات."

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com