

بين أحضان جبال حتا الشامخة، وفي مشهدٍ يمزج بين أصالة الأرض وأحدث ما توصل إليه العقل البشري، انطلقت اليوم فعاليات النسخة العاشرة من "مهرجان حتا للعسل"، الحدث الأبرز الذي يُعيد صياغة مفهوم الاستدامة الغذائية في المنطقة. وقد شهد الافتتاح حضور سعادة المهندس مروان أحمد بن غليطة، المدير العام لبلدية دبي، الذي دشّن هذه الدورة لتكون منصةً تتجاوز حدود العرض والتسويق، لتصبح مختبراً عالمياً يرسخ مكانة الإمارات على خارطة الجودة العالمية.
لم يكن الافتتاح مجرد إعلان عن انطلاق مهرجان، بل كان احتفاءً بهويةٍ وطنيةٍ يقودها النحال الإماراتي بصبره وعزيمته. وقد تفقد سعادة المهندس مروان بن غليطة أروقة المهرجان، مطلعاً على ثورة تقنية تقودها بلدية دبي، حيث يتناغم ذكاء الروبوت "عسّال" مع دقة "البصمة الوراثية (DNA)"، في منظومة رقابية متكاملة تضمن أن كل قطرة عسل في المهرجان تعكس نقاء الطبيعة الإماراتية وصرامة المعايير الحكومية.
الصحة والسلامة أولوية قصوى
وتقول الدكتورة نسيم محمد رفيع المدير التنفيذي لمؤسسة البيئة والصحة والسلامة في بلدية دبي بالإنابة أن تنظيم "مهرجان حتا للعسل" يأتي تجسيداً للرؤية الاستراتيجية للدائرة في تعزيز جودة الحياة وضمان سلامة المنتجات الاستهلاكية المتاحة للسياح والمقيمين والزوار على حد سواء. وأوضحت أن البلدية تعمل بشكل مستمر على تطوير إجراءاتها التحسينية من خلال الاستماع لآراء المتعاملين والمشاركين، وبالتنسيق مع جهات عدة مثل "مجلس تجار حتا" والقطاعين الحكومي والخاص لدعم النحالين المحليين وتعزيز الاقتصاد الوطني.
ثورة تقنية في الرقابة: فحص الـ DNA
وكشفت رفيع عن إطلاق مبادرة هي الأولى من نوعها، تتمثل في إدخال تقنية "البصمة الوراثية" (DNA) لفحص العسل. ويهدف هذا الفحص المتقدم إلى تحديد المصدر النباتي للعسل بدقة متناهية، والتأكد من نوعه عبر تحليل حبوب اللقاح والمكونات الجينية. وأشار إلى أن هذا الإجراء سيقضي تماماً على محاولات الغش؛ حيث سيوضح الفحص ما إذا كان العسل مستخلصاً بالفعل من أشجار السدر -على سبيل المثال- كما يدعي البائع، أم لا، مما يعزز جسور الثقة بين المستهلك والجهة الرقابية.
منظومة رقابية متكاملة
وشددت على أن جميع المنتجات المعروضة في المهرجان تخضع لرقابة صارمة من "مختبر دبي المركزي"، الذي يصدر شهادات فحص رسمية تبين مدى صلاحية المنتج للاستهلاك. ولا تقتصر الفحوصات على البصمة الوراثية فحسب، بل تشمل أيضاً: قياس نسب السكريات، والكشف عن العفن والبكتيريا، والتأكد من خلو المنتج من الآثار الكيميائية، الأدوية، أو المنشطات.
وأوضحت أن هناك تكاملاً بين مختبر دبي المركزي و"إدارة سلامة الغذاء"، حيث تتوفر قاعدة بيانات شاملة لجميع المنتجات المسجلة. ويتم مطابقة البيانات الواردة في "البطاقة التعريفية" الملصقة على العبوات مع نتائج الفحوصات المخبرية لضمان دقة المعلومات المقدمة للمستهلك.
ثورة في الفحوصات المخبرية: من أيام إلى دقائق
كشفت هند محمود مدير إدارة مختبر دبي المركزي في بلدية دبي عن قفزة نوعية في سرعة ودقة الفحوصات المخبرية؛ فبعد أن كانت عمليات التحليل تستغرق سابقاً قرابة أربعة أيام، بات بإمكان المختبر اليوم ومن خلال التقنيات الحديثة تحديد جودة العسل ونوعيته في أقل من دقيقة واحدة.
وتشمل هذه الفحوصات المتقدمة الكشف عن الممارسات النحلية الخاطئة، ورصد حالات الغش التجاري، وتحديد نسبة العسل الصافي بدقة. كما تمتد القدرات التحليلية لتشمل الكشف عن العقاقير الطبية المضافة، ونسب المبيدات الحشرية، مما يضمن أعلى معايير السلامة الغذائية للمستهلكين.
"عسال": روبوت ذكي لجمع العينات آلياً
وفي خطوة تعكس التحول الرقمي، استبدل المختبر عمليات جمع العينات اليدوية هذا العام بابتكار تقني يتمثل في الروبوت الذكي "عسال". يقوم الروبوت بجمع عينات العسل ومشتقاته من كافة العارضين المشاركين عبر أنابيب خاصة لكل عارض.
وتتم عملية الجمع بآلية منظمة بواقع ثلاث جولات يومياً على مدار أيام المهرجان الخمسة، حيث يتم سحب 60 عينة في كل جولة مسحية. ويهدف هذا الإجراء إلى تكوين قاعدة بيانات ضخمة بنهاية المهرجان، تمهيداً لإعلان النتائج وتتويج "أفضل عسل إماراتي" من بين النحالين المشاركين.
وعلى هامش المهرجان، أطلق مختبر دبي المركزي مشروع "البصمة الرقمية للعسل" أو "الهوية الرقمية"، والذي يعد نقلة نوعية غير مسبوقة على مستوى الدولة. يهدف المشروع إلى إنشاء "هوية مخبرية" فريدة لكل نوع من أنواع العسل من خلال تحليل شامل لعينات تم جمعها من مختلف مناطق الدولة بالتعاون مع مجلس التجار.
ويتيح هذا المشروع مخرجات علمية دقيقة قادرة على تمييز الأنواع والتفريق بدقة بين أنواع العسل المختلفة (مثل السمر، السدر، والغاف) لمنع الخلط أو التلاعب بالأنواع، وتحديد المصدر الجغرافي أي تحديد منطقة الإنتاج بدقة، سواء كانت من العين أو حتا أو غيرها من مناطق الدولة، بالإضافة إلى مكافحة الغش، والتحقق مما إذا كان العسل المعروض منتجاً محلياً بالفعل أم مستورداً يتم تسويقه على أنه محلي.
واختتمت مدير إدارة مختبر دبي المركزي بالتأكيد على أن هذه الجهود تأتي لتعزيز ثقة المستهلك في المنتج المحلي ودعم النحالين الإماراتيين، عبر تسخير الذكاء الاصطناعي والابتكار المخبري لضمان ريادة دبي في قطاع الرقابة الغذائية.
عميد النحالين
ويؤكد مانع الكعبي رئيس مجلس تجار حتا، وصاحب شركة نحالي الإمارات الذي يلقبه النحالون بعميد النحالين أن علاقتة بلقب "العميد" تنبع من الشرف الذي يجده في خدمة النحالين الإماراتيين، مشيداً بجودة ونظافة الإنتاج المحلي الذي وصل إلى مستويات عالمية. وأوضح أن دوره يتجاوز الإنتاج التقليدي إلى دعم النحالين في التغلب على تحديات التسويق والمشاركة في المعارض والمسابقات المحلية والدولية.
الحفاظ على السلالة واستدامة النحل
وعلى صعيد الإنتاج، أشار الكعبي إلى وجود مشاريع رائدة تحت إشراف هيئة الزراعة في أبوظبي وبدعم مباشر من سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، تركز على الحفاظ على "السلالة الإماراتية" من النحل وتطويرها عبر التهجين وتحسين المواصفات.
وأوضح الكعبي أن النحل الإماراتي يتميز بخصائص استثنائية تشمل المقاومة العالية الأمراض، والقدرة الفائقة على تحمل درجات الحرارة العالية، والسرعة في التكاثر والنشاط في جمع العسل.
ورغم التكلفة العالية لتربية النحل المحلي، والتي قد تصل إلى 1500 درهم للخلية الواحدة مقارنة بـ 250 درهماً للمستورد، إلا أن الكعبي يشدد على أهمية الاستدامة وتوطين هذه الصناعة رغم التحديات الاقتصادية.
تميز العسل الإماراتي عالمياً
وفي مقارنة بين العسل الإماراتي والأعسال العالمية، أوضح الكعبي أن ما يميز الإنتاج المحلي هو كونه "عسل أحادي الزهرة". فبينما تعتمد الأعسال الأوروبية والأمريكية على غطاء نباتي متنوع وأعشاب ربيعية مختلطة، يركز النحل في الإمارات على مواسم محددة وأشجار بعينها مثل "السدر" و"السمر" و"الغاف".
وأضاف الكعبي هذه الخصوصية في النقاء والمذاق هي السر وراء اكتساح العسل الإماراتي والخليجي للجوائز العالمية في مسابقات باريس ولندن للعسل، حيث يتفوق بجودته التي تعكس طبيعة الأرض الإماراتية وتفرد أشجارها.