سفراء الحقيقة.. إماراتيون يعيدون صياغة رواية دبي من مزارع النخيل وأحياء التراث

يقود السفراء الثقافيون الزوار عبر الأحياء التراثية والمزارع التقليدية والمشاهد الطهوية لعرض القصة الحقيقية للإمارة
مرشدو دبي السياحيون

مرشدو دبي السياحيون

تاريخ النشر

بالنسبة للكثير من الزوار، لا تكتمل الرحلة إلى دبي دون التقاط صورة لبرج خليفة. ولكن، خلف الواجهة البراقة لأطول مبنى في العالم، يكمن نسيج غني من التاريخ والثقافة والمعالم المخفية التي صمم جيل جديد من المرشدين السياحيين على كشفها. هؤلاء السفراء الثقافيون يوجهون السياح بعيداً عن المشاهد المألوفة نحو تجارب أصيلة تحكي القصة الحقيقية للإمارة.

يقود هذا التحول نحو "السياحة الأصيلة" مرشدون مثل محمد كاظم، وهو إماراتي ينتمي لعائلة ذات جذور عميقة في حي الفهيدي التاريخي. بالنسبة له، الإرشاد ليس مجرد مهنة بل مسؤولية. يقول كاظم، المؤسس المشارك للمنصة الثقافية "تماشي": "بدأت رحلتي كمرشد سياحي في عام 2018، بعد أن سمعت مصادفةً مرشداً في سوق دبي القديم يشارك معلومات غير دقيقة عن الإماراتيين وثقافتنا. أدركت حينها أننا إذا لم نمتلك زمام رواية قصتنا بأنفسنا، فقد يشوه أشخاص - حتى وإن كانت نواياهم طيبة - تاريخنا وقيمنا".

يقوم كاظم الآن بإرشاد كبار الشخصيات والمؤسسات عبر المناطق التراثية والمواقع الأثرية وأنظمة الزراعة القديمة، مركزاً على كيف مهدت عقلية دبي القديمة الطريق لنجاحها الحالي. وأوضح قائلاً: "هذه المدينة لم تظهر بين عشية وضحاها بسبب النفط، بل هي نتيجة عملية طويلة ومدروسة متجذرة في التجارة والانفتاح والتكيف".

فهم التراث الحقيقي لدبي

كانت دبي تسمى تاريخياً "الوصل"، وهو اسم يعكس حقيقة التقاء الناس من الجبال والصحاري والسواحل والواحات والشواطئ البعيدة. وأشار كاظم إلى أن "التنوع لم يكن شعاراً، بل كان ضرورة. وأصبحت القدرة على إدارة الاختلاف مهارة ثقافية".

هذه العقلية التاريخية شكلت كل شيء من الأسواق إلى النسيج العمراني والعمارة. ويضيف: "أحاول أن أبين كيف شكلت هذه العقلية كل شيء؛ الأسواق، النسيج الحضري، العمارة، وفي النهاية ولادة دبي الحديثة. أركز على الوظيفية وعقلية الناس في العصور السابقة والصعوبات التي واجهوها. كيف جعلوا البقاء ممكناً في مثل هذه المناظر الطبيعية القاسية؟ كيف بنوا أنظمة الثقة والتجارة والتعايش؟".

تصحيح الخرافات وبناء الجسور

تؤكد بريانكا زيلينسكي، مؤسسة "Dubai by Foot" (دبي مشياً على الأقدام)، على هذا الشعور. بريانكا، وهي أمريكية من أصل هندي انتقلت إلى دبي قبل أكثر من عقد، استلهمت فكرة مشاركة "القصص المخفية التي قد لا يكتشفها معظم الزوار أبداً". وهي تواجه بشكل متكرر مفاهيم خاطئة، لا سيما فكرة أن جميع الإماراتيين أثرياء ولا يحتاجون إلى العمل.

قالت زيلينسكي: "هذا غالباً ما يمنع الزوار من رؤية الإماراتيين كأشخاص مجتهدين وطموحين كما هم حقاً. أحرص على توضيح أن الإماراتيين لا يحصلون على منح مجانية؛ بل يعملون في وظائف بدوام كامل في كل قطاع، وقد بنوا مسيرات مهنية ناجحة من خلال التعليم والتفاني، وليس فقط من خلال الثروة النفطية".

أسطورة أخرى شائعة تعالجها هي المساواة بين الجنسين. وأضافت: "يفاجأ الكثيرون عندما يعلمون أن حكومة الإمارات تضمن تمثيلاً متساوياً بتخصيص 20 مقعداً للنساء من أصل 40 في المجلس الوطني الاتحادي، مما يعكس التزام الدولة الحقيقي بتمكين المرأة في القيادة".

تؤكد زيلينسكي على أهمية فهم الصمود والجلد الإماراتي. وأوضحت: "ما أجده أكثر أهمية لمشاركته مع الزوار هو المرونة والجلد الاستثنائيين للشعب الإماراتي. من الحقائق القاسية لحياة البدو في الصحراء إلى الأعماق الخطيرة للغوص بحثاً عن اللؤلؤ، أظهر الإماراتيون دائماً قدرة رائعة على التكيف والتصميم في مواجهة الشدائد. عندما تراجعت صناعة اللؤلؤ، تحولوا إلى التجارة؛ وعندما اكتُشف النفط، كان لديهم البصيرة لعدم الاعتماد عليه للأبد، بل لتنويع وبناء اقتصاد جاهز للمستقبل في التعليم والسياحة والتكنولوجيا والابتكار".

جواهر مخفية بعيداً عن المسار التقليدي

بعيداً عن المعالم الأيقونية، تحب زيلينسكي اصطحاب الزوار إلى "السركال أفنيو"، منطقة الفنون المزدهرة في دبي حيث يلتقي الإبداع المعاصر بالمواهب المحلية والعالمية. وقالت: "من أعز التجارب على قلبي هي اصطحاب الضيوف إلى وادي العمردي، وهي مزرعة إماراتية أصيلة تديرها الملهمة غزال سعيد، حيث يمكن للزوار التواصل مع الممارسات الزراعية التقليدية، وتذوق المنتجات المحلية الطازجة، وفهم العلاقة العميقة التي تربط الإماراتيين بالأرض رغم البيئة الصحراوية".

أما بالنسبة للانغماس في عالم الطهي، فإن مطعم "الفنار" هو وجهتها المفضلة لتعريف الضيوف بالمأكولات الإماراتية الأصيلة في أجواء حنينية تعود لستينيات القرن الماضي، وتكرم بجمالية حقبة ما قبل النفط. وأشارت بري (Priyanka) إلى أن "هذه التجارب مميزة لأنها تكشف عن روح دبي، ليس فقط طموحها وحداثتها، بل التزامها العميق بالثقافة والتراث وجمع الناس معاً".

الثقافة عبر الطعام

بالنسبة لـ أروا أحمد، مؤسسة "Frying Pan Adventures"، فإن الطعام هو الجسر الأمثل للفهم. وقالت أروا، المتخصصة في جولات الطعام عبر المشاهد الطهوية الأقل شهرة في المدينة: "يلعب الطعام دوراً كبيراً في هذا لأنها الطريقة الأكثر مباشرة وقابلية للربط بين الناس للتواصل. غالباً ما تكون هي النقطة الأولى للفهم، لأن الطعام لغة عالمية".

تركز أحمد على الاحتفال بقصص الطعام في الأجزاء الأقل شهرة من المدينة. وأوضحت: "ما ألهمني هو التنوع الهائل لثقافات الطعام في دبي. نحن حقاً في ملتقى طرق لثقافات مختلفة، وبصفتي مرشدة سياحية، هذه هي القصة التي أردت استعراضها".

من خلال الطعام، تعالج أحمد المفاهيم الخاطئة عن الثقافة الإماراتية. وقالت: "يفترض العديد من الزوار أن جميع الإماراتيين أثرياء، أو منعزلون، أو يعيشون في واقع برج عاجي. ورؤية الثقافة من خلال الطعام تساعد في تفكيك ذلك بسرعة، وتجعل الثقافة أكثر سهولة وبشرية. هناك أيضاً تصور خاطئ بأن النساء لا يحظين بالاحترام؛ وعندما يرى الزوار الدور الذي تلعبه المرأة في الحكومة والأعمال والحياة اليومية، غالباً ما يفتح ذلك أعينهم على الحقيقة".

جيل جديد من المرشدين

خلف هذه الحركة يكمن إطار تدريبي قوي؛ حيث تحتفل كلية دبي للسياحة (DCT) بمرور خمس سنوات على برنامج "مرشد دبي السياحي" عبر الإنترنت، الذي منح تراخيص لأكثر من 2400 مرشد من أكثر من 50 جنسية. البرنامج المتاح باللغتين الإنجليزية والماندرين بمرونة كاملة عبر الإنترنت، يزود المقيمين بالمعرفة ليصبحوا سفراء ثقافيين رسميين.

قالت مريم سلطان المعيني، نائب رئيس كلية دبي للسياحة: "يلعب المرشدون السياحيون دوراً مهماً في إحياء شخصية دبي". ويتماشى البرنامج مع أجندة (D33) الاقتصادية لجعل دبي أفضل مدينة في العالم للزيارة والعيش والعمل. وقد أثبت البرنامج أهميته في دعم قطاع السياحة المزدهر في المدينة، والذي استقبل 17.55 مليون زائر دولي من يناير إلى نوفمبر 2025.

تحدي العمق

يبقى التحدي الأكبر لهؤلاء المرشدين هو الوقت والتصور المسبق. وأشار كاظم إلى أن "العمق يتطلب الإبطاء. العديد من الزوار مبرمجون على استهلاك المدن بسرعة، وأخذهم إلى ما وراء السطح يتطلب التخلي عن ذلك الإيقاع".

التحدي الآخر هو التصور العام. وأوضح كاظم: "غالباً ما يتم تسويق التراث كأمر ثانوي مقارنة بالمشاهد المبهرة. إقناع الناس بأن نظام ري قديم أو مستوطنة منسية يمكن أن تكون بقوة أفق ناطحات السحاب يتطلب صبراً وسرداً قصصياً دقيقاً".

وتقر زيلينسكي بتحدي كسب ثقة الزوار وإدارة قيود الوقت. وقالت: "بصراحة، أشعر ببركة كبيرة لأن التحدي الأكبر، وهو كسب ثقة الزوار، قد تم التغلب عليه إلى حد كبير من خلال السمعة التي بنيناها على مر السنين". وأضافت: "قيود الوقت هي حقيقة أخرى؛ معظم الزوار لديهم أيام محدودة في دبي، لذا نحتاج إلى موازنة قائمة (الأماكن التي يجب رؤيتها) مع تلك اللحظات الأصيلة البعيدة عن المسار المعتاد دون جعلهم يشعرون بالاندفاع أو بأنهم يفوتون شيئاً ما. التحدي الثالث هو ببساطة الوعي؛ فالكثير من الناس لا يعرفون حتى بوجود أماكن مثل المزارع الإماراتية التقليدية، أو مناطق الفنون المحلية، أو الأحياء التراثية، لذا فإن جزءاً من دورنا هو تثقيفهم وإلهامهم حتى قبل أن يحجزوا".

ومع ذلك، فإن المكافآت عميقة. فمن خلال إعادة صياغة التوقعات من "المشهد المبهر" إلى "البناء الجوهري"، يعزز هؤلاء المرشدون صلة أعمق وأكثر مغزى بين الزوار والمدينة. وختم كاظم قائلاً: "عندما ينجح الأمر، فإنه يغير نظرة الناس ليس لدبي فحسب، بل للمنطقة ككل. وهذا هو السبب في أنني أحب القيام بهذا العمل؛ مساعدتهم على اكتشاف وفهم دبي كنظام بيئي رائع وديناميكي يتطور باستمرار بينما يظل متجذراً بقوة في ماضيه".

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com