

مع غروب شمس الثامن من فبراير، بدأت قرية الجزيرة الحمراء التراثية تستعيد هدوءها النسبي، لكن أصداء الضحكات والنقاشات الفنية وموسيقى الشعوب ما زالت تسكن أزقتها الضيقة. هكذا أُسدل الستار على النسخة الرابعة عشرة من مهرجان رأس الخيمة للفنون 2026، بعد رحلة استمرت شهراً كاملاً، تحولت خلالها القرية من موقع أثري صامت إلى قلب نابض بالحياة استقبل قرابة 40 ألف زائر.
لم تكن نسخة هذا العام مجرد احتفالية عادية، بل كانت لحظة تحول جذري في مسيرة المهرجان؛ إذ شهد العالم ولادة "بينالي رأس الخيمة للفن المعاصر" في دورته الافتتاحية تحت إشراف القيم الفني شارون توفال. وتحت شعار "حضارات"، رأينا كيف يمكن للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أن يمتزجا ببراعة مع المنسوجات اليدوية وقصص النساء وتراث الأجداد، ليرسما معاً ملامح مستقبل فني لا ينسى جذوره.
على مدار ثلاثين يوماً، تجول الزوار بين أعمال 164 فناناً قدموا من 49 دولة، ليجدوا أنفسهم في حضرة حوار عالمي فريد،وبينما كانت المشاركات الإماراتية والهندية والإيرانية تضفي صبغتها الخاصة، جاءت اللمسات الفنية من بولندا وفرنسا وروسيا وأفريقيا والولايات المتحدة لتكمل مشهداً ثقافياً نادراً ما يجتمع في مكان واحد.
ولم تكتفِ رأس الخيمة بإبهار العين، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر برنامج سينمائي وموسيقي مكثف، حيث تحولت الساحات بالتعاون مع معهد غوته وجامعة نيويورك أبوظبي إلى دور عرض مفتوحة تروي قصص الهوية والذاكرة، وحتى حاسة التذوق كان لها نصيب من هذا الإبداع، ففي تجربة "المائدة المخفية"، تهافت الزوار على حجز مقاعدهم في "بيت 7" الذي استضاف مطعم "باين" البريطاني الحاصل على نجمة ميشلان، في تجربة طعام استثنائية أثبتت أن فن الطهي هو الآخر لغة عالمية للتواصل.
وفي ختام هذه التظاهرة، لم تخفِ الدكتورة ناتاشا ريدج، المدير التنفيذي لـ "رأس الخيمة للفنون"، فخرها بهذا المشهد، معتبرة أن المهرجان أصبح انعكاساً لثقة ثقافية متنامية في الإمارة، وقدرة مذهلة على جعل التراث والممارسة المعاصرة يزدهران جنباً إلى جنب.
اليوم، وبينما تلملم القرية أوراقها الفنية، تبدو الأعين متجهة بالفعل نحو ربيع 2027؛ فالقصة لم تنتهِ بعد، وباب الإبداع سيفتح مجدداً في أبريل القادم لاستقبال مواهب جديدة، ستأتي حتماً لتكتب فصلاً آخر من حكايات هذه المدينة التي لا تتوقف عن الإبهار.