في عام 2024، أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة تخصيص 18 يوليو يومًا رسميًا لعهد الاتحاد، وهو اليوم الذي اجتمع فيه الآباء المؤسسون لتوقيع إعلان الاتحاد ودستور الإمارات العربية المتحدة، واليوم ذاته الذي شهد الإعلان الرسمي لاسم الدولة الجديد: الإمارات العربية المتحدة. ويروي مؤرخون وأرشيفيون وقائع وخفايا تلك اللحظات الفاصلة لـ«الخليج تايمز»، من التحضيرات الدقيقة حتى المشهد الختامي.
يشدد الدكتور حمد بن صراي، المؤرخ والأستاذ الجامعي الإماراتي، على أن إعلان الدولة لم يكن قرارًا فجائيًا أو عملاً ارتجاليًا، بل سبقته خطوات طويلة ومعقدة من الحوار والنقاش. يوضح قائلاً:
"انطلقت مسيرة تأسيس دولة الإمارات عام 1968، مسيرة حافلة بمراحل متعددة اجتهد فيها الآباء المؤسسون لإرساء قواعد الاتحاد المتين."
ويضيف: "لم يكن الاتحاد وليد الصدفة، إنما نتيجة نقاشات وجلسات استماع شملت مستشارين وخبراء، فضلاً عن جولات متواصلة من المفاوضات شاركت فيها جميع الإمارات السبع، إلى جانب البحرين وقطر آنذاك."
هذه النقاشات تناولت أبرز القضايا المصيرية: الهيكل الأساسي للاتحاد، الأطر السياسية والإدارية، ترسيم الحدود، توزيع السلطات بين الإمارات، وآلية اختيار الرئيس ونائب الرئيس بشكل يضمن التوازن والاستقرار.
خضع دستور الإمارات الذي اعتُمد رسمياً يوم 18 يوليو 1971 لمراحل متعددة من النقاش والتعديل. يقول الدكتور بن صراي:
"مؤسسات الاتحاد جميعها مرت بنقاشات معمقة حول الدستور، حتى اكتمل الإطار القانوني الذي جمع بين سلطة الدولة الواحدة واستقلالية كل إمارة."
وقد أرسى هذا الدستور نظامًا اتحاديًا متماسكًا لا يزال يحكم الدولة حتى اليوم، ويمثل الركيزة الأساسية في بنية دولة الإمارات الحديثة.
حافظ الأرشيف والمكتبة الوطنية للإمارات على مجموعة نادرة من الصور الفوتوغرافية التي توثق أحداث شهر يوليو عام 1971، وتقدم شهادة بصرية دقيقة لتلك المرحلة المصيرية.
من بين هذه الصور صورة لأحمد خليفة السويدي خلال إعلانه عن بيان تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة في دبي بتاريخ 18 يوليو 1971 (وثيقة نشرتها صحيفة الاتحاد). كما توجد صورة أخرى تجمع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، والشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، وأحمد خليفة السويدي خلال اجتماع حكام الإمارات الذي قاد إلى إعلان الاتحاد في قصر الضيافة بجميرا.
وتضم الأرشيفات صورًا أخرى تبرز روح العمل الجماعي عند الآباء المؤسسين، من بينها اجتماع الشيخ زايد مع الشيخ راشد بن سعيد، واللقاءات المتتالية لحكام الإمارات التي استمرت طوال شهر يوليو 1971 في مكان واحد، وأخرى للشيخ زايد في نقاش مباشر مع الشيخ محمد بن حمد الشرقي، بحضور الشيخ حميد بن راشد النعيمي والشيخ سلطان بن أحمد المعلا في اجتماعات التشاور بين 11 و18 يوليو 1971.
وصورًا ودية أيضًا جمعت الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم والشيخ راشد بن أحمد المعلا وخلف بن أحمد العتيبة في حوار أخوي بقصر الضيافة خلال الفترة من 10 إلى 18 يوليو 1971.
يصف الدكتور بن صراي شهر يوليو 1971 بأنه شهر "اكتمال نضج الاتحاد وانطلاقته الحقيقية"، وقد تجلت ذروته في رفع العلم الوطني لأول مرة في الثاني من ديسمبر. ويوضح: "2 ديسمبر يمثل ترسيخ دعائم الاتحاد رسميًا، لكن شهر يوليو هو شهر الحوار الذي جعل الاتحاد واقعًا."
ويؤكد أن يوم «عهد الاتحاد» هو تتويج لمسيرة منظمة من المشاورات ومراحل بناء الدولة، والتي اعتمدت على التوافق والقرارات الجماعية لا اللحظات المنفردة.
لم يكن الإعلان عن الاتحاد في 18 يوليو 1971 مجرد إعلان سياسي، بل منطلقًا لإطار مشترك للرخاء والتنمية والأمن، وأسسَ لمنظومة حضارية جعلت الإمارات مركزًا عالميًا في الاقتصاد والثقافة والابتكار.
ولا تزال الحكمة والرؤية الجماعية للآباء المؤسسين خلال صيف 1971 ترسم لجيل اليوم مسار النجاح والريادة، ويعد «يوم عهد الاتحاد» بمثابة تذكير سنوي بأهمية روح التكاتف والتشاور في تشكيل مستقبل الأوطان.
ومع استمرار النهضة الإماراتية وتوسعها عالمياً، ظلت المبادئ الراسخة التي وُضعت في جميرا هي جوهر الهوية والحوكمة حتى اليوم.
يروي الدكتور سيف البدواوي، أستاذ تاريخ الخليج الحديث، أن بذرة الاتحاد غُرست في يناير 1968 عندما التقى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم أبوظبي والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي في اجتماع "السميح". وتم الاتفاق حينها على وحدة بين الإمارتين ودعوة بقية الإمارات، وهو ما وافق عليه الجميع، وتم التوقيع على اتفاق مبدئي شارك فيه سبع إمارات إضافة إلى البحرين وقطر في فبراير من العام ذاته.
لكن سرعان ما ظهرت تحديات أبرزها موقع عاصمة الدولة الجديدة، ومحاولات دول مجاورة (كإيران) للضغط والتهديد بجزر معينة. بعد ثلاث سنوات، في مايو 1971، أرسل الشيخ زايد وفدًا لجمع مواقف الحكام، وسمع وهو في سويسرا الصيفية قرار كل من قطر والبحرين الانسحاب وتفضيل الاستقلال.
خلال الأشهر التالية، تعددت اجتماعات الشيخ زايد والشيخ راشد مع باقي الحكام الزائرين لأبوظبي. ثم أنشأ الشيخ زايد حكومة اتحادية، لتعلن رسالة واضحة بأن أبوظبي مستعدة لتدشين الاتحاد مع أي إمارة راغبة.
وفي الفترة بين 10 و17 يوليو، اجتمع كل حكام الإمارات المتصالحة في جميرا، واستمر التفاوض لثمانية أيام حتى اعتمد الاتفاق النهائي لتأسيس الاتحاد. ويُذكر أن انضمام رأس الخيمة تأخر حتى 10 فبراير 1972 لظروف خاصة.
ويختتم البدواوي: "الإعلان في الثاني من ديسمبر 1971 كان ثمرة العمليات الطويلة من الحوار والتشاور والمداولات بين الآباء المؤسسين."
رسالة التاريخ:
هكذا، لم يكن تأسيس الإمارات وليد لحظة عابرة، بل ولادة دولية مدروسة انطلقت من جميرا بروح جماعية وتوافق جمع الحكماء من سبع إمارات ليضعوا الأساس لدولة باقية تُلهِم المنطقة والعالم.