دبي تستذكر الصحفيين ضحايا الحروب.. وزملائهم يكشفون عن "الشعور بالعجز" أمام صمت العالم

الصحفي الفلسطيني يوسف حماش : لا نعاني من اضطراب ما بعد الصدمة بعد لأننا ما زلنا في قلب الصدمة نفسها
الصور: نسرين عبدالله

الصور: نسرين عبدالله

تاريخ النشر

غالباً ما يدفع الصحفيون الذين يغطون مناطق النزاع ثمناً باهظاً — يصل أحياناً إلى حياتهم. وتعرف الدكتورة عبير عبد الله، المقيمة في الإمارات، هذا الألم جيداً: فقد قُتل شقيقها الصحفي عصام في لبنان عام 2023، تاركاً إياها تتصارع مع الحزن لأكثر من عام ونصف.

قالت الدكتورة عبير: "أنا أكبر منه بسنتين فقط، لذلك نشأنا وكأننا توأمان تقريباً. كان صديقي المقرب، وشريكي، وكل شيء بالنسبة لي". وأضافت بنبرة حزينة: "مؤخراً فقط، وبعد الكثير من العلاج النفسي، بدأت أتقبل حقيقة أنني لم أعد أستطيع مراسلته. الأمر أشبه بقطعة مفقودة من جسدي، لكنني ما زلت أشعر بالألم، كطرف شبحي".

قُتل عصام عبد الله، الصحفي والمخرج الحائز على جوائز من وكالة "رويترز"، في جنوب لبنان أثناء تغطيته للاشتباكات بين قوات الدفاع الإسرائيلية وحزب الله. أطلقت دبابة إسرائيلية قذيفتين من عيار 120 ملم خلال 45 ثانية على مجموعة الصحفيين، مما أسفر عن مقتل عصام وإصابة ستة آخرين.

تابع آخر الأخبار. تابع KT على قنوات واتساب.

جاءت كلمات الدكتورة عبير خلال حلقة نقاش حول التأثير النفسي للتقارير الصحفية في مناطق النزاع، وذلك كجزء من المؤتمر السنوي لـ "تحالف الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للصدمات" (MENATA) — وهي جمعية تهدف إلى تحويل الرعاية المتعلقة بالصدمات في المنطقة.

"الشعور بالعجز" أمام الجحيم

من لندن، شارك الصحفي الغزّي يوسف حمّاش، الحائز على جائزتي "بافتا" و "إيمي"، عبر الاتصال المرئي، متحدثاً عن الثمن العاطفي الباهظ لشهود المعاناة من بعيد.

تحدث حمّاش عن شعوره بالعجز عندما يرى معاناة فريقه على الأرض في غزة: "أعلم أن فريقي يضطر، بعد الانتهاء من التصوير، إلى الوقوف في طوابير للحصول على الخبز أو الماء". وأضاف: "لقد نزحوا مؤخراً من مدينة غزة إلى الجنوب. شعرت بالعجز لأنني لم أستطع دعم فريقي الخاص على الأرض، وهم أصدقائي القدامى. الجزء الأكثر إيلاماً، بصراحة، هو الشعور بالأمان وأنا جالس في لندن بينما أعلم أن زملائي يمرون بالجحيم".

وشرح حمّاش التوازن الدقيق لعمله: "لديّ منبر في الغرب لأُظهر للعالم ما يحدث لشعبي، لكن يجب عليّ أن أضع مشاعري الشخصية جانباً. ليس من السهل التعامل مع هذا، خاصة وأن 70% من عملي هو ترجمة حزن الناس ولحظاتهم الأكثر يأساً".

ومع ذلك، أضاف أن وظيفته هي أيضاً "آلية للتكيف" بالنسبة له. وقال: "أنا وحيد. لقد فقدت اثنين من منازلي ونصف عائلتي، لكننا لا نعاني من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بعد لأننا ما زلنا في قلب الصدمة نفسها". وأكد: "نحن نتعامل مع الأمر يوماً بيوم... وإلا، أعتقد أن مجرد مشاهدة ما يحدث في غزة والشعور بالعجز سيدفعني إلى الجنون. هذه الوظيفة مسؤولية".

التكلفة الثقيلة لقول الحقيقة

أشار عضو آخر في حلقة النقاش، مغيرة الشريف، المراسل السوري الميداني الحائز على جائزة "إيمي"، إلى أن الصحفيين الذين يغطون الحروب ومناطق النزاع غالباً ما يعودون إلى الوطن بـ "ندوب غير مرئية" تستمر في التأثير عليهم بعد فترة طويلة من مغادرتهم.

وقال: "يمكن أن يعانوا من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، وذنب الناجي، والتوتر". وأضاف: "نادراً ما تبقى الصدمة مع الصحفي وحده. تشعر بها العائلات أيضاً. إنهم يعيشون في قلق دائم. لذا، فإن الدعم المهني المبكر أمر بالغ الأهمية في هذا الوضع".

من جانبها، شاركت الدكتورة عبير كيف تحول مهمة عادية - قام بها شقيقها بعد أسبوع واحد فقط من بلوغه سن 37 عاماً - إلى مهمة مميتة، وكيف شعرت بـ "خيانة تامة" لقتله.

وقالت: "ذهب إلى تركيا لتوثيق قصص الناجين من الزلزال، وقضى شهراً في أوكرانيا، وذهب إلى سوريا حيث أجرى مقابلات مع عائلات داعش المتبقية، وكان في ثورة مصر... لقد كان في كل موقف تعتقد أنه خطير، لكن ليس لبنان. ذلك اليوم كان يوماً عادياً بالنسبة له. ذهب إلى الجنوب في بلدة آمنة جداً، بعيدة جداً عن الحدود. لم يمنحني أي إشارة إلى أنه في خطر — لا لي، ولا لأصدقائه، ولا حتى لنفسه".

وأشارت إلى أن الجزء الأصعب كان التعامل مع الصمت — من الصحفيين وكذلك المجتمع الدولي. بينما أشار يوسف إلى أن ارتداء سترة "Press" كان في السابق شكلاً من أشكال الحماية، لكنه أصبح الآن هدفاً. وقال: "قيل لنا إننا قد نصبح ضرراً جانبياً. لم يخبرنا أحد أننا سنُستهدف بشكل منهجي".

واختتمت الجلسة العاطفية بوقوف الحضور دقيقة كاملة للتصفيق، بينما كان الكثيرون يمسحون دموعهم. وشهدت الجلسة ترك كرسي فارغ على خشبة المسرح مع سترة صحفية، تكريماً لأكثر من 270 صحفياً وعاملاً إعلامياً قُتلوا في غزة منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر 2023.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com