خيول وحمير مهجورة تعانق الحرية في جبال رأس الخيمة

إلى جانب إعادة التأهيل، يوفر ملاذ 'ركوب للإنقاذ' للزوار فرصة لقضاء الوقت مع الحيوانات بطريقة هادئة ومسيطر عليها
خيول وحمير مهجورة تعانق الحرية في جبال رأس الخيمة
تاريخ النشر

في أعماق رأس الخيمة، يوجد مأوى صغير مخصص للخيول والحمير يعرف باسم "رايد تو ريسكيو" (Ride to Rescue)، يقدم لرعاية الخيول والحمير المهجورة أو المتقاعدة فرصة نادرة لتجربة ما لم يعرفته من قبل: الراحة، والوقت، والرعاية دون أي مطالب أو استغلال.

في هذا المكان، لا يُطلب من الحيوانات أداء أي عمل أو تحمل المزيد من الجهد بسبب التقدم في العمر أو الإصابات أو سوء المعاملة في الماضي؛ بل تُترك لتتعافى وتستعيد حيويتها وتعيش وفق وتيرتها الخاصة.

التفاعل مع الزوار والبيئة

إلى جانب عمله في إعادة تأهيل الحيوانات، يوفر المأوى للزوار فرصة لقضاء وقت هادئ ومنظم مع الحيوانات. التجربة هنا مختلفة — إذ لا تتعلق بالركوب أو التدريب بل بـ الرفقة الهادئة، حيث يمكن للزائرين السير بجانب الأحصنة أو المشاركة في جولات مشي موجهة وسط الطبيعة الجبلية المحيطة، مما يمنح الحيوانات شعوراً بالرفقة دون ضغط أو مطالب.

وقالت ياسمين سيد، المشرفة على المأوى:

"هذه الحيوانات قضت حياتها كلها في الخدمة والاستخدام. هنا العلاقة تتغير — لن يُتوقع منها أن تُعطي شيئاً بالمقابل، لكنها مع ذلك تستمتع بالاتصال والهدوء والطاقة الإيجابية للحضور البشري."

بداية القصة

تقيم ياسمين في دولة الإمارات منذ أكثر من عقدين؛ وصلت عام 2004 وعملت في عدة إمارات قبل أن تستقر في رأس الخيمة. وكانت في بداياتها في دبي، حيث عملت فارسة في سباقات التحمل لمدة تقارب عشر سنوات، قبل أن تضطر لاعتزال العمل الاحترافي بعد إصابتها.

وفيما بعد، انتقلت لفترة وجيزة إلى مجال تصميم الأزياء، لكنها عادت إلى عالم الخيول مجدداً — لا من باب الرياضة، بل من باب الإنقاذ والإحسان.

"لم أكن أنوي إنشاء مأوى"، تقول ياسمين، "لقد بدأ الأمر مع حصان واحد فقط."

ذلك الحصان تم هجره من قِبل مالكيه بعد إصابته بمرض عصبي خطير يُعرف بمرض العصبون الحركي (Motor Neurone Disease)، وهو مرض يصيب الخيول ويشبه التصلب المتعدد لدى البشر. بينما نصح الأطباء بإجراء القتل الرحيم للحصان، قررت ياسمين منحه فرصة للحياة.

"لم يكن يريد الشفقة"، تقول. "أراد فقط أن يجد من يقف إلى جانبه."

ورغم غياب الدعم المالي ورغم التحديات الطبية، تكفلت ياسمين برعايته. وسرعان ما بدأ الدعم في الظهور من أفراد محسنين وشركات أغذية حيوانية قدمت مساعدات دورية صغيرة. عاش الحصان اثني عشر عاماً إضافياً، قبل أن يتوفى قبل أشهر قليلة في شهر سبتمبر.

"حينها بدأ الناس يثقون بي"، تقول ياسمين، "لقد رأوا أن الحصان عاش بكرامة، وتلقى احتراماً لم يتوقعوه."

ملاذ من الرحمة والكرامة

ما بدأ بحصان واحد تحول تدريجياً إلى مأوى يضم اليوم نحو 30 حصاناً وعدداً من الحمير. تتراوح أعمارها بين الكبيرة في السن والصغيرة التي لا تتجاوز الثلاثة أعوام.

"ليس للتقاعد عمر محدد"، تقول ياسمين. "نستقبل خيولاً صغيرة استُنزفت جسدياً أو نفسياً بسبب الاستخدام المفرط المبكر."

على عكس الإسطبلات التقليدية، لا ينظر المأوى إلى الأحصنة كأدوات تدريب أو ملكيات إنتاجية. العديد منها لن تُمتطى أبداً.

"نحترم اختيار الحصان"، تقول ياسمين. "بعضها يبدو سليماً لكنه يشعر بالذعر عند رؤية السرج، بينما هناك خيول لديها مشاكل في الحركة، لكنها تبتهج عندما ترى اللجام لأنها ما زالت تحب المشاركة وفق رغبتها."

مكان للحياة الحرة

لا يُفتح المأوى لعامة الناس، وجميع الزيارات تكون بالحجز المسبق فقط، فيما يُسمح بالركوب في حالات محددة وتحت إشراف مباشر.

"ليس هذا مشروعاً تجارياً أو وسيلة للترفيه"، توضح ياسمين.
"ما يأتي إلينا يبقى هنا. هذه الخيول ليست للبيع."

تقضي معظم الحيوانات أيامها في مساحات مفتوحة واسعة، تتجول بحرية بين المراعي وأماكن الظل بدلاً من أن تبقى محصورة في الإسطبلات.

"في معظم الأماكن، تعيش الأحصنة حياة الصناديق، مقيدة ومكررة. أما هنا فهي تمشي، وترتاح تحت الأشجار، وتذهب نحو الجبال. نحن نحاول أن نمنحها حياة طبيعية حقيقية."

كما يحتضن المأوى عدداً من الحمير، من بينها حمار محبوب لدى الزوار يظهر فقط في أوقات الوجبات ويختفي بعدها.

"يأتي في وقت الإطعام تماماً، ثم يغادر"، تضحك ياسمين.
"لقد أطلقنا عليه اسم دون رومانو."

دعم المجتمع واستدامة الرحمة

تؤمن ياسمين بأن دعم المجتمع هو وسيلة إدراك لمسؤولية الإنسان تجاه الحيوان:

"هذه الحيوانات لم تختر حياتها، ومن واجبنا أن نتحمل المسؤولية عنها حتى بعد انتهاء فترة عملها."

يعتمد المأوى كلياً على دعم المجتمع والتبرعات العامة لتغطية نفقات الإطعام والرعاية البيطرية والصيانة اليومية. وتُسهم جولات المشي الهادئة والتفاعلات المنظمة مع الأحصنة والحمير في دعم المأوى مادياً، حيث يحصل الزوار على فرصة لدعم الحيوانات من خلال التفاعل الرحيم والموجّه بدلاً من المشاهدة أو الترفيه.

تؤكد ياسمين أن هذا النموذج يحقق توازناً بين استدامة المأوى وكرامة الحيوان:

"المبدأ بسيط — رعاية تضع رفاه الحيوان أولاً، وتمنح الناس فرصة للمساهمة بمسؤولية وانسجام مع الطبيعة."

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com