

حذر خبراء مقيمون في دولة الإمارات العربية المتحدة من ظاهرة "المحاكمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي"، مشيرين إلى أنها قد تقوض الإجراءات القانونية الواجبة. وأشار البعض إلى أن التحول إلى هدف للإدانة الجماعية عبر الإنترنت يمكن أن يخلف أثراً نفسياً عميقاً ويؤدي إلى ردود فعل ناتجة عن التوتر الشديد.
وقال البروفيسور آريان أسد لالاني، الأستاذ المساعد في قسم القانون والسياسة بجامعة ميدلسكس دبي: "إن أحد العناصر الأساسية للإجراءات القانونية الواجبة هو مبدأ (المتهم بريء حتى تثبت إدانته)".
وأضاف: "هذا المبدأ لا وجود له في محكمة الرأي العام، لأن الناس يميلون إلى النظر في الأدلة المستقطبة. كما يميلون إلى النظر في الطريقة التي تخلق بها خوارزمية وسائل التواصل الاجتماعي سردية تدور حول وجهة نظر محددة. لذا ينتهي بهم الأمر إلى إصدار حكم على هذا الفرد بنصف القصة فقط، وهذا يمكن أن يكون إشكالياً للغاية".
ابق على اطلاع بآخر الأخبار. تابع KT على قنوات واتساب.
جاءت هذه التعليقات في وقت ألقت فيه الشرطة في ولاية كيرالا بجنوب الهند القبض على امرأة بعد نشرها مقاطع فيديو عبر الإنترنت لرجل يزعم أنه لمسها بشكل غير لائق. وكان ذلك في وقت سابق من هذا الشهر، حيث نشرت المرأة البالغة من العمر 35 عاماً، والتي حددت وسائل الإعلام المحلية هويتها بالأحرف (S.M)، مقطع فيديو تقول فيه إن الرجل تحرش بها في حافلة. وقد أثار الفيديو رد فعل حاداً مع انتقادات واسعة للرجل.
وبعد يومين من انتشار الفيديو على نطاق واسع، أقدم الرجل على الانتحار. وقال أصدقاؤه وعائلته إنه نفى الاتهامات وزعم أنه بريء، واتهموا (S.M) بمحاولة كسب المتابعين والشهرة من خلال الفيديو. وتواجه المرأة، التي لم تقدم شكوى رسمية وقت وقوع الحادث، تهماً بالتحريض على الانتحار وهي الآن رهن الحجز القضائي.
من جانبها، قالت أسراء سرور، الأخصائية النفسية الإكلينيكية في عيادات "أستر"، إن الوقوع ضحية للإدانة الجماعية عبر الإنترنت يمكن أن يكون له "تأثير نفسي عميق"، لأن البشر مجبولون على السعي للحصول على القبول الاجتماعي. وقالت: "غالباً ما يؤدي التشهير العلني والاهتمام السلبي المستمر إلى استجابات توتر حادة. ومع مرور الوقت، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تآكل الثقة بالنفس وخلق مشاعر العجز واليأس، وهي عوامل خطر نفسية معروفة للاكتئاب والأفكار الانتحارية".
يقول الخبراء القانونيون إن الاتجاه المتزايد للتقاضي بشأن الادعاءات في الفضاء الرقمي يشكل مخاطر جسيمة على العدالة والمساءلة. وأوضح لالاني أن منصات التواصل الاجتماعي غالباً ما تضخم الروايات المتطرفة أو المثيرة، مما يهمش البحث المحايد عن الحقائق. وقال: "محكمة الرأي العام لا تعمل على أساس الأدلة أو التوازن، بل تعمل على النقرات (Clicks)، والغضب، والرؤية الخوارزمية".
وأضاف أنه حتى عندما يثبت براءة الأفراد لاحقاً أو يتم دحض الادعاءات، فإن الضرر الناجم عن الاتهامات عبر الإنترنت غالباً ما يكون غير قابل للإصلاح. وأشار إلى أن "الاتهامات عبر الإنترنت يمكن أن تصبح شكلاً من أشكال العقوبة دون أي أساس قانوني"، لافتاً إلى ديمومة البصمات الرقمية وظهور المنشورات أو مقاطع الفيديو مجدداً بعد سنوات من مشاركتها.
ووفقاً لـ"أسراء سرور"، فإن الهجمات الجماعية عبر الإنترنت (Online pile-ons) مدفوعة بسيكولوجية الجماعة وانخفاض المسؤولية الشخصية. وقالت: "عندما تثير قصة ما غضباً أخلاقياً، غالباً ما يصطف الناس مع السرد السائد ليشعروا بأنهم في (الجانب الصحيح). إن المجهولية والمسافة الجسدية يضعفان التعاطف، مما يجعل الناس أكثر عدوانية عبر الإنترنت مما قد يكونون عليه وجهاً لوجه".
وسلط كلا الخبيرين الضوء على الخط الرفيع بين كشف الفساد المشروع (Whistleblowing) وبين "ثقافة الإقصاء" (Call-out culture) غير المنظمة. فبينما تحكم آليات كشف الفساد أدلة وضمانات قانونية، فإن الاتهامات الموجهة على وسائل التواصل الاجتماعي غالباً ما تكون غير مدعومة ومدفوعة بفرص الانتشار بدلاً من التحقق.
لاحظت سرور أن منصات التواصل الاجتماعي قد تكافئ دون قصد ردود الفعل المتطرفة. وقالت: "الإعجابات، والمشاركات، والتضخيم الخوارزمي يمكن أن تنقل التركيز من المساءلة إلى (التريند)، وهذا يحول المواقف إلى محاكمات علنية تفتقر إلى ضمانات الدقة، أو التناسب، أو الحماية من الضرر النفسي".
وعلى الرغم من هذه المخاطر، أقر الخبراء بأن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون أحياناً الملاذ الأخير للضحايا الحقيقيين الذين يخشون أنظمة العدالة البطيئة. ومع ذلك، شدد لالاني على أن استعادة الثقة في العمليات المؤسسية أمر ضروري لمنع وسائل التواصل الاجتماعي من الحلول محل الإجراءات القانونية الواجبة تماماً.
وحث كلاهما المستخدمين على ممارسة ضبط النفس عبر الإنترنت. وقالت سرور: "المشاركة الأخلاقية تتطلب التعاطف والوعي بأن الأفعال عبر الإنترنت لها عواقب في العالم الحقيقي. إن احترام الإجراءات القانونية الواجبة ليس صمتاً، بل هو مسؤولية".