حين تستيقظ الذاكرة شعراً.. دبي تحتفي بجذور السرد في "مهرجان الآداب"

يحتفل بعقدين على جائزة الشيخ زايد للكتاب، و200 جلسة بين الشعر والروايات البوليسية ومحادثات مع حائزي جائزة نوبل
حين تستيقظ الذاكرة شعراً.. دبي تحتفي بجذور السرد في "مهرجان الآداب"
تاريخ النشر

بالقرب من مياه الخور، فُتحت الأبواب أمام النسخة الثامنة عشرة من مهرجان طيران الإمارات للآداب، الذي يستمر من 21 إلى 27 يناير في "إنتركونتيننتال فستيفال سيتي". وعاد أكبر تجمع أدبي في العالم العربي بأصوات من أكثر من 40 جنسية، لكن حفل افتتاحه ركز على الداخل قبل أن يتطلع إلى الخارج.

تجلت الأمسية كتحية للذاكرة، والتاريخ الشفهي، والطرق التي كانت تنتقل بها القصص عبر المنازل قديماً قبل أن تستقر في المكتبات. وعلى خشبة المسرح، عكست شخصيات وشعراء وفنانون إماراتيون ماضياً مشتركاً حيث كان السرد القصصي ينتقل من قلب إلى قلب، غالباً في الليل، وغالباً دون تدوين، ومع ذلك لم يُنسَ أبداً.

وقبل تمرير الميكروفونات إلى المؤلفين والشعراء والمسؤولين، ملأت الموسيقى المكان مع أداء أوركسترا غرفة الشباب الوطنية وجوقة "ريبتون البرشاء"، ليتم نسج الصوت في ثنايا السرد القصصي. كما أضاف حضور خيالة شرطة دبي وقارعي الطبول الصغار إيقاعاً بصرياً، مما رسخ الأمسية في قيم المجتمع والاستمرارية.

لحظات حميمة من الذاكرة

جاءت واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً من خلال قصة "أم محمد"، وهي شخصية إماراتية بارزة تم توثيق حياتها كجزء من مشروع "إرث دبي" للتراث، وهو مبادرة تهدف إلى الحفاظ على الذاكرة الحية لدبي.

استرجعت أم محمد أمام الجمهور زمناً كانت فيه دبي مدينة أكثر هدوءاً، حيث كانت البيوت متقاربة، والأبواب مفتوحة دائماً، والأخبار تنتقل بسرعة خطوات الأقدام على طول الخور. كان الناس يعرفون من أبحر، ومن عاد، ومن هو متوقع عودته. لم يكن الخور مجرد معلم سياحي، بل كان رفيقاً يومياً.

ابقَ على اطلاع بآخر الأخبار. تابع KT على قنوات واتساب.

ووصفت الشاعرة الإماراتية شمة البستكي الشعر بأنه وعاء للحفاظ على التجارب المعيشة بدلاً من مجرد توثيق التاريخ. وقالت: "هدفي هو حمل هذه الذكريات من خلال الشعر"، موضحة أن عملها مستوحى من محادثات مع أفراد المجتمع تم تحويلها إلى أبيات شعرية. وفي إحدى قصائدها، وصفت اللغة بأنها "البحر"، مستمدة ذلك من حياة والدها في البحر والطريقة التي كان يعتمد بها البحارة قديماً على القمر والنجوم لتحديد اتجاهاتهم.

أصوات عالمية ورؤى مشتركة

رددت الأصوات الدولية صدى مواضيع مشابهة؛ حيث تحدثت كاتبة الأطفال الحائزة على جوائز، راشيل برايت، إلى جانب الشاعرة عفراء عتيق، عن الشعر كفعل من أفعال الإيمان – الإيمان بالكلمات، وبالناس، وبالإمكانات الكامنة. وشاركت برايت كيف ألهمها السير في منطقة "الشندغة" مع والدها لكتابة قصيدة متجذرة في المكان والذاكرة والتقدير، مشيرة إلى منازل كان يعيش فيها طلابه السابقون، وإلى مدرسة لم تعد قائمة، ومع ذلك ظلت حاضرة من خلال الاستذكار.

من جانبه، صاغت مديرة المهرجان والرئيسة التنفيذية، أحلام بلوكي، أمسية الافتتاح كذكّرى لسبب استمرار أهمية السرد القصصي، ليس فقط كأدب، بل كممارسة إنسانية مشتركة. وقالت: "لطالما كانت القصص جزءاً من هويتنا، في بيوتنا، وفي تجمعاتنا، وفي الطريقة التي ننقل بها الذاكرة والمعنى من جيل إلى آخر. وقبل وقت طويل من تدوينها، كانت القصص تُنطق وتُشارك وتُعاش، والسرد القصصي الشفهي متجذر بعمق في هذا الجزء من العالم".

ومع الترحيب بمؤلفين من أكثر من 40 جنسية، وصفت بلوكي المهرجان بأنه مساحة تسمح للناس بالتوقف والتأمل، قائلة: "تمنحنا الكتب الفرصة للتمهل، وللتفكير بعمق، ولفهم بعضنا البعض بطرق أكثر مغزى".

كما سلطت الضوء على محطات أدبية بارزة يتم الاحتفاء بها خلال مهرجان هذا العام، مشيرة إلى أن الافتتاح جاء بعد يوم واحد فقط من الاحتفال بمرور 20 عاماً على جائزة "سيف غباش بانيبال" للترجمة الأدبية العربية. وقالت: "إنها جائزة خلقت إرثاً عميقاً من درر الأدب العربي للعالم الناطق بالإنجليزية".

أيام حافلة بالثقافة

خلال الأيام القادمة، سيحتفل المهرجان أيضاً بمرور عقدين على جائزة الشيخ زايد للكتاب، إلى جانب أكثر من 200 جلسة تتنوع بين الشعر وأدب الجريمة وحوارات مع حائزين على جائزة نوبل.

لكن اليوم الأول لم يتشكل بالكلمات وحدها؛ ففي يوم افتتاحه، قدم المهرجان أكثر من مجرد عرض مسبق للبرنامج؛ لقد وضع "النبرة" الأساسية، حيث لم تكن الآداب تتعلق بالكتب والصفحات فحسب، بل بالذاكرة، والصوت، والقصص التي شكلت هوية الناس قبل وقت طويل من تدوينها.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com