حزن الأطفال.. صمت طويل يحتاج إلى "طمأنينة" الآباء

ألمٌ لا يراه الكبار".. أطفال الإمارات يعيشون حزنهم الصامت على رحيل الأحباء
حزن الأطفال.. صمت طويل يحتاج إلى "طمأنينة" الآباء
تاريخ النشر

لأكثر من عامين، شعرت "فاطمة س" (اسم مستعار) بالقلق على ابنتها دون أن تفهم تماماً ما الذي يزعجها. الطفلة التي كانت يوماً ما مرحة وتتوق للذهاب إلى المدرسة، أصبحت هادئة وبدأت في تجنب الحصص الدراسية، وبدأت تطرح أسئلة يصعب الإجابة عليها، فقد تغير شيء ما بداخلها.

لم تدرك فاطمة إلا لاحقاً أن ابنتها كانت تعيش حالة حداد على فقدان صديقة مقربة، وهو ألم حملته الطفلة بصمت منذ سنوات الدراسة الابتدائية الأولى. وقالت فاطمة: "لم تنسَ صديقتها أبداً، وحتى مع تقدمها في السن، ظلت الذكريات تلازمها".

وعقب حادث طريق مأساوي في الإمارات أودى بحياة أربعة أشقاء مؤخراً، قال علماء نفس الأطفال إن العديد من الآباء يتم تذكيرهم بأن الأطفال يستوعبون أخبار الوفاة بشكل مختلف تماماً عن البالغين، وأحياناً يستمر ذلك لسنوات عديدة.

استذكرت فاطمة، وهي أم لثلاثة أطفال، كيف تغيرت ابنتها بعد فقدان صديقة مقربة بعد فترة وجيزة من جائحة كوفيد-19 في عام 2021. وقالت: "كانت ابنتني وصديقتها لا تفترقان، كانتا في نفس الفصل منذ الصف الأول، وتستقلان حافلة المدرسة نفسها، وتجلسان معاً، وتتناولان الغداء معاً، وتعودان إلى المنزل معاً كل يوم".

في ذلك الوقت، كانت ابنتها في الصف الثالث. وعندما توفيت الصديقة، قررت فاطمة عدم إخبارها بالحقيقة، وقالت: "ظننا أننا نحميها، فأخبرناها أن صديقتها ذهبت إلى موطنها الأصلي ولن تعود".

لكن الطفلة شعرت بأن خطباً ما قد حدث، فأصبحت هادئة، ولم تعد ترغب في الذهاب للمدرسة، وظلت تطلب رقم هاتف صديقتها وتصر على إجراء مكالمة فيديو. تقول فاطمة: "في كل مرة كانت تسأل فيها، كان قلبي ينفطر".

وعندما أعيد فتح المدارس بعد فترة التعلم عن بعد، علمت الطفلة الحقيقة من الآخرين بعد ثمانية أشهر. وقالت فاطمة: "لقد تحطمت، بكت وقالت إنها لا تريد الذهاب إلى المدرسة بعد الآن".

بعد مرور أربع سنوات، أصبحت الطفلة الآن في الصف السابع. لقد كبرت، لكن ألم الفقد لم يتلاشَ. تضيف الأم: "لا تزال تدعو لصديقتها، ولا تزال تتحدث عن رحلات الحافلة ووجبات الغداء التي شاركتها معها. لم تنسَ أبداً".

وشارك ولي أمر آخر تجربة مختلفة شكلها "الخوف" بدلاً من "الصمت". قال والد يعيش في منطقة أبوهيل: "كان ابني طفلاً نشيطاً للغاية. وخلال الجائحة، فقدنا جده الذي كان قريباً جداً منه. كان ابني في السادسة من عمره فقط، فأقنعناه بأن كبار السن يموتون، وتقبل الأمر بشكل جيد".

ولكن بعد بضعة أشهر، فقدت العائلة ابن عم شاب كان يتلقى العلاج في الهند. وأضاف الوالد: "لم يكونا مقربين جداً، لكن عندما أدرك ابني أن الأطفال أيضاً يمكن أن يموتوا، تغير كل شيء".

بدأ الصبي يطرح أسئلة صعبة: "ظل يسأل كيف يمكن لطفل مثله أن يموت؟ لفترة طويلة، توقف عن كونه نشيطاً وأصبح يقضي وقتاً أطول بمفرده". استمر هذا التغيير لعدة سنوات، وشعرت الأسرة بالقلق فقررت تغيير محيطها، حيث انتقلوا من دبي إلى الدوحة لفترة (بما أن الأب لديه أعمال في المدينتين).

وقال الوالد: "ساعد التغيير ببطء، وعدنا إلى دبي العام الماضي. ابني الآن بحال أفضل، لكن الخوف لا يزال موجوداً. حتى اليوم، تؤثر أخبار الوفاة عليه؛ فبعض المخاوف تبقى حية في ذهن الطفل لسنوات".

حزن صامت في الفصول الدراسية

أفادت صحيفة "خليج تايمز" مؤخراً بأن المعلمين والموظفين في مدارس الإمارات يتدخلون لمساعدة الطلاب على التأقلم عند فقدان زملائهم أو أصدقائهم. وفي بعض المدارس، خلق المعلمون مساحة للأطفال للتعبير عن مشاعرهم ودعم بعضهم البعض، فالحزن داخل الفصول لا يقل قوة عنه في المنازل.

وسلط التقرير الضوء على أن الفقد الأخير للأشقاء الأربعة في حادث سيارة، وحالة وفاة مفاجئة أخرى في مدرسة بالشارقة، قد أعادا فتح نقاشات صعبة حول كيفية تحدث المدارس مع الأطفال عن الموت، والغياب، والألم العاطفي، مع تركيز العديد من المعلمين على التعاطف والصبر لمساعدة الطلاب على تجاوز مشاعرهم.

لماذا يتفاعل الأطفال بشكل مختلف؟

وفقاً للدكتورة رينا توماس، الأخصائية النفسية الإكلينيكية في مستشفى ميديور بدبي، فإن مثل هذه الردود شائعة وغالباً ما يُساء فهمها. وقالت: "يستجيب الأطفال للموت بناءً على أعمارهم وشخصياتهم ومدى فهمهم. البعض يبكي بينما يلوذ الآخرون بالصمت، والصمت لا يعني بالضرورة أنهم يتأقلمون".

وأوضحت الدكتورة توماس أن على الوالدين مراقبة التغيرات في النوم، والسلوك، وعادات الأكل، والاهتمام بالمدرسة، والمخاوف من فقدان الأحباء. وقالت: "غالباً ما يحزن الأطفال على مراحل، وأحياناً يستمر ذلك لسنوات عديدة".

ونصحت الوالدين بالتحدث بصدق ولطف عن الموت، والحفاظ على الروتين اليومي، والسماح للأطفال بالتعبير عن عواطفهم بطريقتهم الخاصة، مؤكدة أن "الطمأنينة والتواجد بجانبهم أهم من الإجابات المثالية".

ومع حزن المجتمع على مآسٍ مثل فقدان الأشقاء الأربعة مؤخراً، أكد الأطباء أهمية تذكر أن الأطفال الذين يسمعون عن الموت قد يحملون أثره بصمت. وختمت فاطمة حديثها قائلة: "أحياناً لا تدرك إلا بعد فوات الأوان أن طفلك توقف عن كونه نفسه".

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com