حدائق الفراشات: غابة استوائية في قلب أبوظبي

ولادة "كسلان" وسحر "البنتورونغ".. أسرار الغابة المطيرة تفتح أبوابها في العاصمة
حدائق الفراشات: غابة استوائية في قلب أبوظبي
تاريخ النشر

افتتحت اليوم في "القناة" أحدث وجهة طبيعية داخلية في أبوظبي — "حدائق الفراشات أبوظبي" (Butterfly Gardens Abu Dhabi) — والتي صُممت لتمنحك شعوراً بالهدوء والسكينة. عند المشي داخل القباب — إحداهما تمثل النظام البيئي لجنوب شرق آسيا، والأخرى لأمريكا الجنوبية — يشعر المرء ببيئة دافئة وضبابية، مع أجنحة ترفرف، وأصوات الغابات المطيرة، ولقاءات غير متوقعة مع الحياة البرية، وكل ذلك داخل قباب حيوية يتم التحكم في مناخها وبُنيت حول أشجار حية.

منذ اللحظة التي تُغلق فيها الأبواب الزرقاء المزدوجة خلفك، تتغير وتيرة الحياة. تتحرك الفراشات بحرية — تهبط على أوراق الشجر، وأطباق الفاكهة، وأكتاف الزوار — بينما تنزلق أسماك "الكوي" تحت الممرات الخشبية وصوت خرير الماء ينساب بلطف في الخلفية.

وقال بول هاميلتون، المدير العام لـ "حدائق الفراشات أبوظبي": "أردنا أن يكون هذا المكان مبهجاً وجذاباً؛ مكان يمكن للناس فيه الانفصال عن إيقاع المدينة المتسارع والتواصل مع شيء حقيقي وجميل".

ابقَ على اطلاع بأحدث الأخبار. تابع كي تي على قنوات واتساب.

بُنيت حول الأشجار.. وليس العكس

على عكس العديد من الوجهات الترفيهية الداخلية، لم تُصمم الحدائق على أرض فضاء. أوضح هاميلتون قائلاً: "كانت الحدائق موجودة قبل المبنى، الأشجار كانت هنا بالفعل، وكان علينا بناء القباب حولها". هذا القرار شكّل التجربة بالكامل؛ فداخل القبة ذات الطابع الآسيوي، تمتد أشجار بارتفاع 10 أمتار لتصل إلى السقف الزجاجي. والزجاج نفسه غير مرشح (unfiltered) بشكل متعمد، للسماح بمرور أقصى قدر من الأشعة فوق البنفسجية (UV) — وهي ضرورية لنشاط الفراشات.

ويضيف هاميلتون: "الفراشات تشبه البطاريات الصغيرة، تُشحن بواسطة الأشعة فوق البنفسجية. وكلما كان الضوء الطبيعي أقوى، زاد نشاطها". ومع غروب الشمس، تتولى إضاءة "UV" خفية المهمة لإطالة نشاطها في المساء. كما يتم التحكم في درجة الحرارة والرطوبة بدقة لتعكس الظروف الاستوائية — لتكون أقرب إلى غابات الأمازون منها إلى مراكز التسوق المكيفة.

من الشرنقة إلى التحليق

واحدة من أكثر المساحات سحراً وهدوءاً هي "الحضانة"، حيث يمكن للزوار مشاهدة الفراشات وهي تخرج من شرانقها. تتدلى الشرانق في صفوف مرتبة بألوان اليشم والبرونز والذهب — بعضها ساكن، والبعض الآخر يرتجف قليلاً مع اقتراب لحظة التحول.

شرح ريان كينيدي، مدير التسويق في الحدائق: "لحظة الخروج الفعلية تستغرق دقائق فقط. بعد ذلك، تتدلى الفراشات وتنتظر حتى تجف أجنحتها، وبمجرد أن تصبح جاهزة، تطير".

تصل الشرانق من خلال شراكات طويلة الأمد مع مزارع فراشات صغيرة في كوستاريكا والفلبين، وهي مشاريع تديرها عائلات متخصصة في نباتات وأنواع معينة من الفراشات. وقال هاميلتون: "إنه نظام مستدام؛ حيث يتم تفقيس نسبة من الفراشات وإطلاقها في البرية لدعم عملية التلقيح، والباقي يأتي إلينا". داخل الحدائق، تتغذى الفراشات بشكل طبيعي من الزهور الغنية بالرحيق والفاكهة الموضوعة بعناية مثل الأناناس والبطيخ. وقال كينيدي: "أنت تخطو إلى منزلهم، لا توجد أقفاص هنا".

أكثر من مجرد فراشات

في عمق الحدائق، تتوسع التجربة لتشمل ما هو أكثر من الأجنحة. فوق غصن شجرة، يلتف كائن أسود كثيف الشعر — إنه "البنتورونغ" الآسيوي (أو سنور الدب)، الذي غالباً ما يخطئ الناس في اعتباره دباً أو قطة. رغم حجمه، فهو آكل للفاكهة، ويُعرف برائحة تشبه ذرة الفشار بالزبدة، وله دور هام في نشر بذور الغابات المطيرة.

في مكان قريب، تتسابق السناجب السريلانكية العملاقة على الحواجز، وهي مفعمة بالطاقة لدرجة أنها أحياناً تتسلق أذرع الموظفين. وفي قسم آخر، يأخذ سنور دباب بالاوان قيلولة في تجويف شجرة، بينما تطير طيور "عصفور جولد" الملونة عبر أوراق الشجر.

وفي قبة الأمريكيتين، يلتقي الزوار بآكلات النمل (تاماندوا) التي تستكشف الأغصان بألسنتها الطويلة، وتماسيح "كايمان" القزمة المسترخية قرب المسطحات المائية، وبعض من أكثر فراشات الحديقة لفتاً للأنظار — الأنواع الزرقاء الكبيرة وفراشات البومة ذات الأجنحة التي تشبه العيون الساهرة.

ويشير هاميلتون إلى أن التوقيت يغير ما تراه: "بين الساعة 10 صباحاً و3 ظهراً هو الوقت الذي تطير فيه الفراشات حقاً، وفي وقت لاحق من اليوم، تهدأ الفراشات، وهنا تصبح الثدييات أكثر نشاطاً". وأحد الإنجازات الهادئة هو ولادة صغير حيوان الكسلان في الموقع، وهو الأول في أبوظبي. وعلق هاميلتون: "هذا يخبرنا أن الحيوانات مرتاحة، لقد استقرت بسرعة، وهذه علامات جيدة".

مصممة للهدوء والفضول

رغم التنوع البيولوجي، لا تشعر أبداً بالارتباك داخل الحديقة. الرطوبة ملحوظة ولكن يمكن تحملها، حيث تتراوح الحرارة بين 30-32 درجة مئوية، وتدعو المقاعد الموزعة على طول الممرات الزوار للتوقف والمشاهدة. قال هاميلتون مبتسماً: "هناك شيء في هذا المكان يجعل الناس طفوليين قليلاً بطريقة جيدة، لا يمكن للناس أن يبقوا جادين هنا".

التعليم منسوج في جميع أنحاء المكان؛ حيث تشرح العروض التفاعلية عمليات التلقيح والنظم البيئية ودورات حياة الحشرات، مع برامج مخصصة للمجموعات المدرسية. تتوفر جولات إرشادية للعائلات، وكل شيء بالداخل — من النباتات إلى المواد — مختبر لضمان سلامته للحشرات، مع عدم استخدام أي مبيدات.

ملاذ طوال العام

كونها داخلية بالكامل ويتم التحكم في مناخها، توفر "حدائق الفراشات أبوظبي" تجربة طبيعية طوال العام — وهو أمر نادر في مناخ الإمارات. تضم الوجهة مقهى، ومتجراً صغيراً، ومساحات لورش العمل والفعاليات. يمكن للزوار أيضاً اختيار تذكرة مشتركة مع "ناشونال أكواريوم" الموجود مباشرة مقابل الحديقة في "القنا".

لكن ربما تكمن أقوى جاذبية للمكان في شعور غير ملموس؛ ففي لحظة تقف فيها ساكناً بينما تهبط فراشة بالقرب منك، أو تشاهد سنجاباً يختفي وسط الأشجار، يتلاشى ضجيج المدينة. واختتم هاميلتون قائلاً: "تشعر وكأنك خطوت إلى عالم من الخيال".

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com