

يشهد سوق العمل في الإمارات تحولاً ملحوظاً، حيث لا يقتصر الأمر على "قفزات الجيل زد" بين الوظائف، بل يتعدى ذلك إلى إعادة تعريفهم لمسار المهنة. تشير دراسات حديثة إلى أن الشباب لا يبحثون عن مجرد وظيفة، بل عن النمو الهادف، وبيئة عمل صحية، ووضوح المسار المهني.
وفقًا لمسح رواتب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025، فإن 40% من المهنيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عامًا في المنطقة قد شغلوا بالفعل ثلاث وظائف أو أكثر في بداية مسيرتهم المهنية. يعكس هذا تحولاً ثقافياً من عقلية "تسلق السلم التقليدي" إلى عقلية تُعطي الأولوية للنمو، والهدف، وبيئة العمل المناسبة.
"أمينة" (اسم مستعار بناءً على طلبها)، خريجة قانون سورية تبلغ من العمر 27 عامًا، هي جزء من هذا التحول. إنها تبحث عن عمل من جديد. "لقد غيرت وظيفتين في عام واحد"، قالت لـ"خليج تايمز". "كان دوري الأول رائعًا، لكنني سُرّحت. أما الوظيفة التالية، فلم أستطع البقاء فيها. بيئة العمل لم تكن تناسبني."
بالنسبة للموظفين الشباب مثلها، مكان العمل ليس مجرد مكان لكسب لقمة العيش؛ إنه المكان الذي تزدهر فيه أو تحترق.
أضافت: "أعلم عندما لا تناسبني البيئة، فلن تسمح لي بالنجاح في وظيفتي. ترك الوظيفة لم يكن مخيفاً بقدر البقاء في مكان لا يناسبني. الآن أبحث عن شيء جديد، لكن الأمر لم يعد يتعلق بالمال فقط. هناك العديد من العوامل الأخرى."
أُجري مسح رواتب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 من قبل [suspicious link removed] و Markelytics Solutions، وشمل أكثر من 1200 موظف عبر دول مجلس التعاون الخليجي، وشمال أفريقيا، وبلاد الشام.
وفقاً لخبير التوظيف ديمتري زايتسييف، مؤسس Dandelion Civilisation، فإن المهنيين الشباب في الإمارات لا يكتفون بتغيير الوظائف بشكل متكرر؛ بل يعيدون تعريف شكل المسار المهني.
يقول: "تنقل الوظائف بين المهنيين الشباب في الإمارات لا يرتفع فحسب، بل يصبح القاعدة الجديدة". وأشار إلى أن "مسح LinkedIn لعام 2025 وجد أن 75% من المهنيين في الإمارات والسعودية يخططون للبحث عن أدوار جديدة هذا العام، مع استعداد 58% منهم للتحول إلى صناعات أخرى تماماً".
الدافع؟ إنه أقل ما يكون حول راتب أكبر وأكثر حول الهدف، والنمو، والمرونة.
يشرح زايتسييف: "الكثير من الشباب لا يتركون وظائفهم لأنهم غير مخلصين. إنهم يتركون لأنهم لا يرون مساراً للمضي قدماً. الهياكل التقليدية لا تتوافق دائماً مع قيم هذا الجيل."
حتى الدراسات السابقة تدعم هذا الاتجاه. فقد وجدت دراسة سابقة لشركة زيوريخ حول القوى العاملة في الشرق الأوسط أن الموظفين الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و 34 عامًا هم الأكثر احتمالاً للبحث عن فرص جديدة، عادةً لتحقيق خيارات تطوير أفضل، أو مزايا أقوى، أو عمل أكثر جدوى.
أضاف: "في سوق سريع التطور مثل الإمارات، خاصة مع النمو السريع للصناعات الرقمية، يرفض الشباب الموهوبون ببساطة البقاء جامدين. هذه إشارة إلى أن ثقافة الشركات بحاجة إلى التطور."
يقول زايتسييف: "المهنيون الشباب يدخلون سوق العمل غالباً وهم متحمسون للتعلم. لكنهم سرعان ما يجدون أنفسهم عالقين في روتين دون توجيه، أو بناء مهارات، أو تقدم واضح. هذا محبط. وعندها ينتقلون."
وعلى عكس ما يعتقده بعض مديري التوظيف، يجادل زايتسييف بأن التغييرات المتكررة في الوظائف لا تشير بالضرورة إلى عدم الموثوقية. "هؤلاء ليسوا مرشحين 'غير مستقرين'،" قال. "إنهم مهنيون طموحون، واعون بذاتهم، ولن يرضوا بالوسطية. هذا شيء يجب على أصحاب العمل أن يقدروه، لا أن يعاقبوا عليه."
وأحياناً، الانتقال هو ما يساعد هؤلاء المهنيين على النمو. "نعم، القفز الوظيفي له مخاطر"، لاحظ. "لكنه يمكن أن يساعد الناس أيضاً على صقل أهدافهم وفهم أفضل لمكانهم المناسب. في غياب أنظمة تطوير داخلية قوية، يصبح هذا النوع من البحث الموجه ذاتياً ضرورياً تقريباً. الأمر لا يتعلق بالنفاد الصبر؛ إنه يتعلق بالتوافق."
إذن، ما هو المسار إلى الأمام، لكل من الموظفين وأصحاب العمل؟
"للمهنيين الشباب، أقول: لا تيأسوا،" نصح زايتسييف. "واصلوا تطوير أنفسكم. فكروا في مسيرتكم المهنية كركوب الأمواج؛ أمسكوا بالموجة واركبوها. المرونة والتعلم هما أعظم أصولكم، خاصة في عالم يعتمد على الذكاء الاصطناعي."
أما بالنسبة للشركات التي تحاول الاحتفاظ بمواهب الجيل زد؟ "أعيدوا التفكير في نماذج الإدارة القديمة،" قال. "هذا الجيل يريد النمو، والديناميكية، والهدف. استثمروا في تطوير المسار المهني، أنشئوا مسارات شفافة، واستخدموا أدوات حديثة، مثل اللعب (gamification)، لجذبهم. إنها جزء من لغتهم الثقافية. ولكن الأهم من ذلك، ابنوا أنظمة تغذي الإمكانات."
لأن في اقتصاد المواهب اليوم، لا يتعلق الأمر فقط بمن يقدم أعلى راتب، بل بمن يقدم المستقبل الأكثر وضوحاً.
تتفق سارة بوخاري، مدربة المسار المهني واستراتيجية الموارد البشرية المقيمة في دبي، على أن المهنيين الشباب اليوم يدفعهم الوضوح أكثر من الراحة.
قالت: "إنهم لا يخشون البدء من جديد إذا كان ذلك يعني الاقتراب من شيء يتوافق مع هدفهم. يجب على أصحاب العمل الذين يرغبون في الاحتفاظ بهم أن يتجاوزوا الامتيازات؛ عليهم تقديم رؤية، وتوجيه، وملكية حقيقية في أدوارهم."