

قال خبير فلكي إن تطوير المعرفة العلمية لا يعني التخلي عن الرؤية التقليدية للهلال، مؤكداً في الوقت نفسه أنه لا ينبغي قبول ادعاءات رؤية الهلال التي تتعارض تماماً مع الحقائق العلمية الراسخة.
وأشار الخبير إلى أن الحسابات الفلكية الحديثة توفر الآن فرصة لتطوير تقويم إسلامي قادر على التنبؤ بالمناسبات الدينية مسبقاً، مع الالتزام بمبادئ الرؤية الشرعية.
وقد سلطت "الانقسامات" الأخيرة حول بداية شهر رجب الهجري الضوء على هذا التحدي؛ حيث أعلنت بعض الدول بداية الشهر يوم الأحد (21 ديسمبر)، بينما أجلته دول أخرى إلى يوم الاثنين (22 ديسمبر)، استناداً إلى عدم إمكانية الرؤية المؤكدة والمنطقية علمياً للهلال مساء السبت (20 ديسمبر).
ويُعد شهر رجب أحد الأشهر الحرم الأربعة في الإسلام، ويرتبط تقليدياً بزيادة التأمل الروحي والاستعداد لشهر رمضان المبارك.
ووفقاً لمحمد شوكت عودة، مدير مركز الفلك الدولي، فإن الانقسام لم ينبع من خلاف ديني، بل من كيفية موازنة الأدلة العلمية جنباً إلى جنب مع ممارسات الرؤية التقليدية.
في شرح مفصل، قال عودة إن رؤية الهلال مساء السبت كانت مستحيلة علمياً في أي مكان بالمنطقة العربية، سواء بالعين المجردة أو من خلال التلسكوبات. وكانت الرؤية ممكنة نظرياً فقط في مناطق صغيرة من جنوب وجنوب غرب إفريقيا، حيث يكون عدد الراصدين النشطين صغيراً جداً. ونتيجة لذلك، لم يتم تسجيل أي رؤية مؤكدة أو صالحة علمياً للهلال في أي مكان في العالم الإسلامي في تلك الليلة.
وشدد عودة على أن الحسابات العلمية تهدف إلى دعم الرؤية التقليدية وليس استبدالها، قائلاً: "الأمر لا يتعلق بالتخلي عن الرؤية، بل يتعلق بعدم قبول ادعاءات الرؤية عندما يؤكد العلم أن رؤية الهلال كانت مستحيلة".
ابقَ على اطلاع بآخر الأخبار. تابع KT على قنوات واتساب.
وأشار عودة إلى أنه في ذلك اليوم، تم توثيق الهلال فقط من خلال تقنية "التصوير الفلكي" (astronomical imaging)، والتي تم التقاطها خلال ساعات النهار قبل غروب الشمس في عدة مواقع، بما في ذلك أبوظبي وأجزاء من المملكة العربية السعودية وألمانيا. ومع ذلك، فإن طرق التصوير هذه لا تحظى باعتراف رسمي من قبل معظم السلطات الإسلامية عند تحديد بدايه الشهور القمرية.
وقال عودة إن ما برز هذا العام هو العدد المتزايد من الدول التي رفضت إعلان بدء شهر رجب دون رؤية مؤكدة وممكنة علمياً، ومن بين هذه الدول: الأردن، سوريا، ليبيا، سلطنة عمان، المغرب، إيران، باكستان، وعدة دول إفريقية.
وبينما تشترط بعض هذه الدول الرؤية المؤكدة منذ فترة طويلة، يبدو أن دولاً أخرى بدأت تغير نهجها، حيث أصبحت ترفض بشكل متزايد التقارير التي تعتبر مستحيلة علمياً.
وأضاف عودة: "هذا يتحدى الفكرة القائلة بأن العالم الإسلامي يبتعد عن الرؤية نحو الاعتماد فقط على الحساب أو وجود القمر بعد غروب الشمس. ما نراه بدلاً من ذلك هو ارتفاع في الوعي العلمي لدى السلطات الدينية". وأوضح أن سوء الفهم غالباً ما ينشأ من الخلط بين المفاهيم الفلكية، مثل الفرق بين "الاقتران" و"الرؤية الفعلية"، أو بين القمر والهلال نفسه.
وفقاً لعودة، فإن هذا التوافق المتزايد بين العلم والممارسة الدينية يفتح الباب لتطوير تقويم هجري يمكنه التنبؤ بالمناسبات الإسلامية القادمة بدقة، دون الانتظار حتى الساعات الأخيرة للتأكيد. فالحسابات الفلكية الحديثة يمكنها الآن تحديد موعد إمكانية أو استحالة رؤية الهلال مسبقاً، مع الحفاظ على الاتساق التام مع المتطلبات الشرعية.
وقال إن مثل هذا النظام سيساعد في تقليل حالة عدم اليقين، وصعوبات التخطيط، والارتباك العام الذي يصاحب غالباً الإعلانات المتأخرة عن التواريخ الدينية.
واختتم عودة قائلاً إنه رغم أن التوحيد الكامل بين جميع الدول قد لا يحدث قريباً، إلا أن التوجه الحالي يشير إلى تحول تدريجي نحو رفض الشهادات غير الموثوقة وتعزيز الثقة في كل من العلم واتخاذ القرار الديني. وأشار إلى أن الجدل المحيط ببداية شهر رجب يعكس انقسامات مماثلة شوهدت خلال المناسبات الإسلامية الكبرى الأخيرة، مما يشير إلى أن هذا النقاش لم يعد معزولاً، بل هو جزء من تغيير أوسع يجري في جميع أنحاء العالم الإسلامي.