تقنيات الذكاء الاصطناعي تقود طفرة "تعديل الطقس" في الإمارات

اعتماد رادارات الاستقطاب الثنائي لتحديد محتوى السحب بدقة وضمان استدامة الموارد المائية للأجيال القادمة.
تقنيات الذكاء الاصطناعي تقود طفرة "تعديل الطقس" في الإمارات
تاريخ النشر

غالبًا ما يجب اتخاذ قرار تلقيح السحب واحتمالية جلب الأمطار إلى الأراضي القاحلة قبل أن تظهر العاصفة على الرادار. ويوضح الدكتور ديكسون مايكل، وهو عالم بارز في الغلاف الجوي يعمل مع برنامج الإمارات لبحوث علوم استمطار السحب: "هذا أمر مخادع دائمًا في الطقس، وفي تلقيح السحب".

ولغير المطلعين، فإن سحب العواصف، وخاصة تلك الغنية بالرطوبة والتيارات الهوائية الصاعدة القوية، تحتوي على قطرات ماء صغيرة تظل سائلة حتى في درجات حرارة منخفضة جدًا. وتساعد مواد التلقيح هذه القطرات على النمو لتصبح قطرات مطر أكبر أو جزيئات ثلجية، مما يزيد من فرص هطول الأمطار.

والجدير بالذكر أن أبحاث الدكتور مايكل تهدف إلى حل واحد من أكبر التحديات في تعديل الطقس: فهم ما يحدث "داخل" العاصفة وما إذا كان تلقيح السحب يحدث فرقًا بالفعل.

وفي حديثه لصحيفة "خليج تايمز" خلال الإعلان عن الفائزين بالدورة السادسة لبرنامج الإمارات لبحوث علوم استمطار السحب (UAEREP)، أضاف قائلاً: "بالنسبة لإمكانية التلقيح، فالأمر أكثر صعوبة. فغالبًا لا تظهر العاصفة التي تقوم بتلقيحها على الرادار إلا بعد أن تبدأ في تلقيحها".

بينما يعتمد الطيارون على الخبرة والتوقعات، يتدخل العلم الآن لجعل تلك القرارات أكثر دقة — وأكثر شفافية. تقليديًا، كان تقييم تلقيح السحب يعتمد على انعكاس الرادار (الذي يوضح كمية الماء أو الجليد في السحب) — أي مدى قوة أو حجم العاصفة بشكل أساسي. لكن الانعكاس وحده لا يمكنه الكشف عن الهيكل الداخلي للعاصفة. ويشير الدكتور مايكل: "إنه لا يخبرك الكثير عما يحدث داخل العاصفة، ولا يعطيك أدلة حول الفيزياء المجهرية".

وهنا يأتي دور استثمار الإمارات في الرادار ثنائي الاستقطاب (الذي يسمح للخبراء برؤية شكل وحجم ونوع الجزيئات في السحب) والذكاء الاصطناعي.

رصد البرد والثلج والجليد... وحتى الحشرات في العاصفة

لا يكتفي الرادار ثنائي الاستقطاب بإظهار حجم العاصفة فحسب، بل يحدد ما بداخلها: مطر، برد، جليد، ثلج، أو حتى حشرات. ويقول: "بدلاً من مجرد الانعكاس، يمكننا الآن رؤية نوع الهيدروميتور (جزيئات الماء أو الجليد في الهواء، مثل قطرات المطر أو رقائق الثلج أو حبات البرد) الموجود في العاصفة. وهذا يوسع حقًا المعلومات المتاحة".

يعمل مشروع الدكتور مايكل على تحديث نظام تتبع العواصف (LROSE/TITAN) طويل الأمد — المستخدم عالميًا لأكثر من 30 عامًا إلى منصة حديثة تعمل بالذكاء الاصطناعي ومصممة خصيصًا للاحتياجات التشغيلية لدولة الإمارات. ويقول: "نحن نقوم فعليًا بترقية الأنظمة القديمة إلى العصر الحديث"، حيث نجمع بين بيانات الرادار المتقدمة والذكاء الاصطناعي ولوحة تحكم جديدة لعمليات التلقيح في الوقت الفعلي.

كما يبني هذا التحديث الخبرات المحلية في المركز الوطني للأرصاد (NCM)، مما يخلق ما يسميه الدكتور مايكل "سلسلة من الكوادر المؤهلة التي يمكنها تشغيل هذا النظام في المستقبل".

تحقيق أقصى استفادة من كل قطرة

لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي. فالتحدي الرئيسي يكمن في إثبات ما إذا كان تلقيح السحب يعمل — ومقدار مساهمته في هطول الأمطار. في عقود سابقة، أجرى العلماء تجارب عشوائية، حيث قاموا بتلقيح بعض العواصف وترك أخرى دون مساس. ويتذكر الدكتور مايكل: "كنت ترمي عملة معدنية وتلقح نصف العواصف، ثم يمكنك المقارنة بينها".

هذا النهج لم يعد ممكنًا. ويقول: "هذه مشاريع تشغيلية وليست مشاريع بحثية. الإمارات لديها مشروع تشغيلي". وبعبارة أخرى، الهدف هو هطول الأمطار وليس التجارب، لذا يجب على العلماء الآن الاعتماد على تحليل البيانات بدلاً من التجارب المضبطة.

وهنا، يلعب الذاء الاصطناعي دورًا محوريًا. ويوضح قائلاً: "نأمل أن يساعد الاستقطاب الثنائي بالإضافة إلى الذكاء الاصطناعي في معرفة ما إذا كان لنا تأثير على العواصف، دون ميزة العشوائية". يمكن للذكاء الاصطناعي استكشاف مجموعات بيانات ضخمة واكتشاف أنماط لا يستطيع البشر رؤيتها — سواء استمرت العاصفة لفترة أطول، أو كبر حجمها، أو أنتجت مزيدًا من الأمطار بعد التلقيح.

ويقول الدكتور مايكل إن الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في ثلاث طرق رئيسية: تصحيح أخطاء التنبؤ، وتوقع متى تكون العواصف أكثر استجابة للتلقيح، وتحليل ما إذا كان التلقيح قد أنتج تأثيرًا إيجابيًا. ويضيف: "هذه الأدوات الذكية لديها القدرة على استكشاف مجموعات بيانات لم نكن قادرين عليها من قبل".

بالنسبة لدولة الإمارات وهي دولة تستثمر بكثافة في الأمن المائي، فإن هذا البحث يتجاوز كونه بحثًا أكاديميًا؛ بل يتعلق بجعل كل قطرة مهمة.

ويشرح الدكتور مايكل: "يمنحنا الاستقطاب الثنائي تقديرات هطول أمطار أكثر موثوقية بكثير. وهذا أمر بالغ الأهمية لبرنامج تعزيز الأمطار". ومع دمج القياسات المباشرة للطائرات والنمذجة المتقدمة، تمتلك الإمارات الآن واحدة من أكثر البنى التحتية لتلقيح السحب تطورًا في العالم.

ومع ذلك، وراء الخوارزميات والرادارات يكمن هدف إنساني عميق: ضمان المياه للأجيال القادمة. وتصبح كل عاصفة ليست مجرد حدث جوي، بل تجربة غنية بالبيانات في مجال الاستدامة.

ويؤكد الدكتور مايكل أن فهم العواصف بشكل أفضل يعني "ليس فقط تلقيح السحب بل معرفة، بكل ثقة، ما إذا كنا قد جعلناها تمطر".

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com