

بينما كان "جيل الطيبين" يظن أن ذروة الأزمات في حياته هي انقطاع بث القناة الأولى وقت المسلسل، أو "تشابك" شريط الكاسيت في المسجل، جاءت السنوات الأخيرة لتصفع الجميع بواقع فاق خيال مخرجي أفلام هوليوود. لقد تحول كوكب الأرض في العقد الأخير إلى "جروب واتساب" عالمي، يصحو فيه الناس على خبر زلزال، ويتناولون غداءهم على وقع "تريند" وباء، ويختمون يومهم بمتابعة صراعات دولية عبر "بث مباشر" من غرف نومهم.
هذا المشهد السريالي خلق توازناً غريباً بين جيلين؛ جيل الثمانينيات والتسعينيات الذي يرى في الكارثة "امتحاناً للصبر والستر"، والجيل الجديد "زد" و"ألفا" الذي يرى فيها "فرصة لصناعة محتوى" وتفريغ شحنات الخوف بالكوميديا السوداء.
صراع الأولويات وتشتت الشاشات
سهام هنيدي
وفي قراءة أعمق لهذا التباين، ترى الفنانة التشكيلية سهام هنيدي أن جيل الستينيات والسبعينيات كان أكثر استقراراً ووعياً بالواقع المحيط به، بينما عاشت الأجيال اللاحقة صراعات متراكمة أدت إلى إرباكها وجعلت عملية تمييز الأولويات لديها مهمة صعبة للغاية. وتضيف هنيدي أن الكثير من أبناء الأجيال الجديدة تشتتوا بين موجات الهجرة والصدمات المتلاحقة والتغيرات الثقافية المتسارعة، ورغم تبدل البيئات المحيطة بهم، إلا أن بعض الأفكار بقيت جامدة وغير قادرة على التكيف.
وتشير هنيدي بأسف إلى أن هيمنة الشاشات وتراجع القراءة أفقدا الجيل الجديد ذلك "العمق المعرفي" والقدرة على التركيز التي كانت تميز الأجيال السابقة؛ فالخبر اليوم يُستهلك بسرعة البرق دون تمحيص، مما أدى إلى غياب الرؤية الرصينة التي كانت تُبنى من خلال القراءة والتأمل قبل عصر "السرعة الرقمية".
معايشة الحدث مقابل سرعة النتائج
روشان كرباج
ومن زاوية أخرى تحلل الإعلامية روشان كرباج هذا الاختلاف في طريقة الاستقبال، موضحة أن جيل الثمانينيات عاش أحداثاً سياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة ومتراكمة، وهو ما جعله يتعامل مع الخبر والقصص وكأنها تجربة شخصية تمسّه مباشرة، فيتأثر بها ويتفاعل معها بعمق وجدانية ملموس. أما جيل "Z" فقد نشأ وسط تدفق معلوماتي جارف، مما جعله يتعامل مع الخبر كجزء من موجة عابرة يمكن إعادة تدويرها ومشاركتها بسرعة كـ "تريند" أو قصة تهدف لتجميع "اللايكات" والمشاهدات، دون مراعاة لاعتبارات كثيرة كانت مقدسة سابقاً. وتؤكد روشان أن الاختلاف هنا لا يكمن في "الإنسانية" أو المشاعر، بل في جوهر الاستقبال؛ فنحن جيل "يعيش الحدث" بكل ثقله، وهم جيل "يعيش سرعة الحدث ونتائجه الرقمية".
ويقول سعيد محمد ليست مشكلتي مع استقبال الجيل الجديد للأحداث بالسخرية، مشكلتي الكبيرة هي الشائعات والنقل غير الواقعي للأحداث، فكل من هب ودب اليوم قادر على نشر ما يريد من كلام وأخبار، والمشكلة ان الناس لم تعد تتحقق من الأخبار بل تتناقلها عن جهل، وأكبر دليل عما يحدث اليوم في دولنا، فمنذ بدأ الهجوم الإيراني قام أناس كثر بنشر فيديوهات قديمة لحرائقفي مباني على انها أحداث جديدة، مما دب الخوف في قلوب الناس.
"الواتساب" غرفة عمليات الطيبين
وتجسد "أم راشد" (54 عاماً) هذا الفرق، فهي لا تزال تحتفظ بهاتفها المشحون برسائل الأدعية وصور القهوة، وتقول: "كنا قديماً إذا سمعنا خبراً سيئاً، نصمت ونكتفي بالدعاء، اليوم، ما إن يقع زلزال حتى أجد أحفادي يتسابقون لتصوير النجفة وهي تهتز ليحصدوا المشاهدات"، واليوم أتذكر بحسرة تلك الحقبة التي كان للخبر فيها "هيبة" تقترب من القدسية، حيث كان الجميع ينصت باهتمام لنشرة الثامنة، زمان كان الخبر يأتينا متأخراً فنستقبله برضا ووقار، أما الآن فتصلنا الكارثة قبل وقوعها، مما جعل أعصابنا تنهار، جيلنا يبحث عن الأمان وهيبة الحدث، والجيل الجديد حول الفاجعة إلى مادة للاستهانة والشائعات.
فوضى المعلومات وسلاح "الشائعات"
لكن الأزمة لا تتوقف عند حدود السخرية أو "الميمز"، بل تمتد لتصل إلى تزييف الحقائق عمداً أو جهلاً. وفي هذا السياق، يبدي سعيد محمد قلقاً بالغاً، موضحاً أن المشكلة الكبرى لا تكمن في استقبال الجيل الجديد للأحداث بالفكاهة، بل في طوفان الشائعات والنقل غير الواقعي للأحداث. فاليوم، أصبح بمقدور أي عابر أن ينشر ما يشاء من أخبار دون ضوابط، والأدهى من ذلك أن الناس لم تعد تتحقق من صدق ما تراه، بل تتناقله بجهل يزيد من اشتعال الأزمات.
ويستشهد سعيد بما يحدث اليوم في منطقتنا كدليل قاطع؛ فمنذ بدء الهجوم الإيراني، سارع الكثيرون لنشر مقاطع فيديو قديمة لحرائق في مبانٍ ومنشآت على أنها أحداث تجري الآن، وهي "بروباغاندا" رقمية ساهمت في دب الخوف والرعب في قلوب الناس وزعزعت استقرارهم النفسي بلا وجه حق، محولين المأساة الحقيقية إلى ساحة للمزايدات الرقمية والزيف.
"الميمز" سلاح الجيل الجديد
مايا هنيدي
في الجانب الآخر تقول مايا هنيدي: الجيل القديم يتهمنا بالاستهتار، لكن الحقيقة أننا جيل وُلد في قلب الأزمات، الميمز ومواقع التواصل الاجتماعي هي وسيلتنا الوحيدة لعدم الجنون، حين حاصرنا الوباء، صنعنا نكاتاً ومواقف طريفة عنه، لأن الضحك هو ما جعلنا نتحمل البقاء خلف الجدران لشهور طويلة، نحن لا نستهزئ بالوجع، نحن نروضه بالفكاهة".
وتقول نارا سامي بفضل هذه الشاشات التي ينتقدها الكبار، استطعنا جمع تبرعات لمنكوبي الزلازل في ساعات قليلة، جيل الطيبين يملك العاطفة والدعاء، ونحن نملك الأدوات والسرعة، نحن نكمل بعضنا البعض وإن اختلف أسلوبنا في التعبير.
الضحك كآلية دفاع
وفي المقابل يرى الخبراء أن هذا التباين هو تطور طبيعي لوسائل الدفاع النفسي فجيل الطيبين يستمد قوته من الروحانيات والترابط الاجتماعي التقليدي، بينما الجيل الجديد يستخدم (الرقمية) كدرع، الفكاهة السوداء التي نراها على تيك توك هي صرخة استغاثة مغلفة بابتسامة، هرباً من واقع مرير لم يختاروه.
الحقيقة الصارخة هي أننا جميعاً نركب السفينة ذاتها، نصور غرقها تارةً، وندعو لنجاتها تارةً أخرى، بينما تظل هواتفنا في جيوبنا لا تتوقف عن إرسال إشعارات تخبرنا بأن الكارثة القادمة، ربما تكون مجرد "تريند" جديد سينتهي بحلول المساء، لنبدأ بعدها رحلة البحث عن "لايك" جديد في كارثة أخرى.