بين التنظيم والتربية.. خارطة طريق إماراتية لحماية الصحة النفسية للأطفال في الفضاء الرقمي

مع مناقشة التنظيم، يرى الخبراء أن تصميم المنصات والمساءلة يجب أن يكونا محوريين لحماية المستخدمين الصغار
صورة تستخدم لغرض توضيحي

صورة تستخدم لغرض توضيحي

تاريخ النشر

كجزء من الاجتماع الثاني للمكتب الإعلامي لحكومة الإمارات لعام 2026، جمعت النقاشات حول تنظيم استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي أصواتاً من قطاعات التعليم، والتنمية البشرية، ومجلس التنمية المجتمعية. وفي قلب هذا النقاش برز قلق مشترك: كيف يشكل التصميم الرقمي انتباه الأطفال، وسلوكهم، وصحتهم العقلية.

وبينما يدرس صناع السياسات الأطر التنظيمية المحتملة، يقول علماء النفس وأخصائيو السلامة الرقمية إن القضية أعمق من مجرد "وقت الشاشة".

ابق على اطلاع بآخر الأخبار. تابع KT على قنوات واتساب.

قالت سارة معماري، أخصائية علم النفس للأطفال والمراهقين والعائلات في عيادات "سايج" (Sage Clinics): "أدمغة الأطفال لا تزال تبني المسارات العصبية المسؤولة عن الانتباه المستدام، والتحكم في النبضات، والوظائف التنفيذية. والتعرض المفرط لمحتوى وسائل التواصل الاجتماعي المتسارع يمكن أن يعطل هذه العملية".

وأوضحت من منظور تطوري أن العديد من المنصات مصممة هندسياً لجذب الانتباه في غضون ثوانٍ من خلال اللقطات السريعة، والتحفيز العالي، والجدة، والمكافآت المستمرة مثل "الإعجابات" أو الفيديوهات الجديدة التي لا تنتهي. ومع مرور الوقت، تتسبب هذه الظروف في جعل الدماغ يتوقع تحفيزاً متكرراً وتحولات سريعة.

وأضافت: "هذا يمكن أن يجعل المهام الأبطأ التي تتطلب مجهوداً، مثل القراءة، أو الاستماع في الفصل، أو إكمال الواجبات المنزلية، تبدو غير مجزية بالمقارنة".

<div class=

لماذا يعد الأطفال عرضة للخطر؟

في المدارس، قد يظهر هذا في شكل زيادة التشتت، وانخفاض القدرة على تحمل الملل، وصعوبة الحفاظ على التركيز. وفي المنزل، غالباً ما يبلغ الآباء عن حدة في الطباع عند سحب الأجهزة، وإحباط عندما يُطلب من الأطفال الانتقال إلى أنشطة غير رقمية. وعندما يتكيف الدماغ مع المكافأة الرقمية المستمرة، يصبح من الصعب الحفاظ على التعلم العميق.

كما أشارت معماري إلى وجود ارتباطات بين الاستخدام الكثيف لوسائل التواصل الاجتماعي وبين القلق، وتقلبات المزاج، والتحديات السلوكية. تنشط وسائل التواصل الاجتماعي نظام المكافأة القائم على الدوبامين في الدماغ، مما يخلق دفعات قصيرة من الشعور بالتحقق. والاعتماد المتكرر على هذه المكافآت الرقمية يمكن أن يزيد من الحساسية تجاه كل من الثناء وخيبة الأمل.

ويعتبر الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 9 و14 عاماً عرضة للخطر بشكل خاص. فخلال هذه الفترة، تتكثف عملية تشكيل الهوية والانتماء للأقران، بينما لا تزال القشرة الجبهية، المسؤولة عن التحكم في النبضات والحكم طويل المدى، في طور النمو. قد يشعر المراهقون الصغار بالعواطف بشكل مكثف، ويولون أهمية كبيرة لموافقة أقرانهم، ومع ذلك يفتقرون إلى المهارات التنظيمية للابتعاد عن التفاعلات السلبية عبر الإنترنت.

ويمكن للتنبيهات المتكررة والمقارنة الاجتماعية أيضاً أن تبقي الجهاز العصبي في حالة تأهب قصوى، مما يؤثر على النوم، واستقرار المزاج، والرفاهية العامة.

<div class=

كيف يمكن أن تبدو القواعد الجديدة؟

بينما يستكشف المنظمون الإجراءات الممكنة، تظل الأسئلة قائمة حول كيفية عمل القواعد الجديدة على أرض الواقع. هل ستكون أنظمة التحقق من العمر إلزامية؟ هل يمكن إدخال حدود زمنية منظمة لحماية ساعات الدراسة والنوم؟ أم ستنتقل المسؤولية بشكل أكثر حزماً إلى المنصات نفسها؟

جادل رافال هيبس، الرئيس التنفيذي لمجموعة "سيكورو" (Sicuro Group)، بأن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ بمسؤولية المنصة. وقال: "تتحمل المنصات المسؤولية الأساسية لأنها هي من يصمم الخوارزميات ويهندس حلقات التفاعل. وتوقع أن يتفوق الآباء في الدهاء على أنظمة بُنيت لتعظيم وقت الشاشة ليس موقفاً سياسياً واقعياً".

وأوضح هيبس أن تقنية تقدير العمر القائمة على الذكاء الاصطناعي موجودة بالفعل، حيث تتيح تحليل صورة "سيلفي" للمستخدم لتحديد ما إذا كان فوق أو تحت العتبة العمرية. وتكون النتيجة تأكيداً بالقبول أو الرفض، مع تحليل الصورة ثم التخلص منها بدلاً من تخزينها. وفي سياق دولة الإمارات، اقترح إمكانية دمج "بوابة العمر" عبر "الهوية الرقمية" (UAE Pass)، للتحقق من الأهلية دون نقل البيانات الشخصية إلى المنصات التجارية.

وأضاف أن التنفيذ الفعال يتطلب غرامات مرتبطة بالإيرادات الإقليمية، وتقارير شفافة إلزامية، وعمليات تدقيق فنية مستقلة. وتمتلك هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية بالفعل البنية التحتية للإشراف على الامتثال، وإذا لزم الأمر، تقييد الوصول إلى المنصة إذا لم يتم استيفاء المعايير.

<div class=

تعليم السلامة عبر الإنترنت

من منظور الأمن السيبراني، قال سامر القدسي، نائب الرئيس الإقليمي للمبيعات في منطقة الخليج وشمال أفريقيا لدى "بالو ألتو نيتوركس" (Palo Alto Networks)، إن السلامة عبر الإنترنت يجب أن تُعتبر مسؤولية مجتمعية مشتركة.

وقال: "الأطفال اليوم ينشأون في عالم رقمي حيث تعد وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً من الحياة اليومية. وبينما يلعب التنظيم والتكنولوجيا أدواراً مهمة، فإن الوعي هو العامل الأكثر حيوية في مساعدة الأطفال على استخدام المنصات الاجتماعية بأمان".

وشدد على أن العادات الصغيرة يمكن أن تقلل المخاطر بشكل كبير؛ مثل تشجيع الأطفال على الحفاظ على خصوصية التفاصيل الشخصية، واستخدام كلمات مرور قوية، وتفعيل إعدادات الخصوصية، والتفكير بعناية قبل النشر عبر الإنترنت. وأضاف أن الآباء يمكنهم وضع حدود واضحة لاستخدام الإنترنت، بما في ذلك الحدود الزمنية والمواقع المعتمدة، مع استخدام أدوات الرقابة الأبوية لمراقبة النشاط.

وأشار القدسي إلى أن السلامة عبر الإنترنت تتعلق أيضاً بالمرونة. وقال: "لن يكون كل تفاعل إيجابياً"، مضيفاً أن تعليم الأطفال التشكيك فيما يرونه والتعرف على عمليات الاحتيال يمكن أن يساعدهم في اتخاذ قرارات أذكى. كما يجب تكوين الأجهزة وحمايتها بشكل صحيح ببرامج مكافحة الفيروسات لمنع البرمجيات الخبيثة والاختراق.

ولا تزال هناك تحديات قائمة، بما في ذلك الأسر التي تمتلك أجهزة متعددة، والمنصات الصغيرة التي تعمل خارج أطر الإشراف الرئيسية، والوتيرة السريعة للتطور التكنولوجي. ومع ذلك، يشير الخبراء إلى أن الهيكل التنظيمي المركزي في الإمارات ونظام الهوية الرقمية الوطنية يوفران أسساً قوية للتنفيذ.

وبالنسبة للعائلات والمدارس، يقول المتخصصون إن أي إطار عمل جديد سيجمع على الأرجح بين عتبات عمرية أكثر وضوحاً، وحماية منظمة حول ساعات الدراسة والنوم، وتعليم أقوى للثقافة الرقمية. وأشارت معماري إلى أن الحدود الزمنية تكون أكثر فعالية عندما تقترن بمحادثات مفتوحة، ووجود قدوة من البالغين، وروتين متوازن بدلاً من فرضها بشكل منعزل.

ومع استمرار النقاش حول السياسات، تصبح القضية المركزية أكثر وضوحاً: لم يعد الحوار يدور فقط حول مدة الوقت الذي يقضيه الأطفال عبر الإنترنت، بل حول كيفية هندسة البيئات الرقمية وما إذا كان التصميم نفسه يجب أن يتغير لحماية الانتباه، والتعلم، والتطور العاطفي.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com