

صور كي تي: وعد بركات
بعد فرارها من غزة مع عائلتها في نوفمبر 2023، تقول الصحفية والشاعرة والكاتبة الفلسطينية بلستيا العقاد إن معنى "الوطن" قد انكسر ليتحول إلى سلسلة من الأماكن المؤقتة.
تتنقل بلستيا الآن بين أستراليا، حيث تقيم عائلتها، ولبنان، حيث تكمل درجة الماجستير في الإعلام الحديث. وهي لا تحمل إقامة في أي من البلدين، مما يجعلها مضطرة باستمرار لإثبات حقها في البقاء.
وقالت: "أنت دائماً في حالة تجديد للتأشيرات، تثبت نفسك، وتشرح إلى أين تنتمي.. ولا يعود أي مكان يشعرك تماماً بأنه الوطن مرة أخرى".
خلال حديثها في مهرجان طيران الإمارات للآداب يوم السبت (25 يناير)، تأملت العقاد في كيفية تأثير النزوح والمنفى والظهور العلني على حياتها وعملها على حد سواء. ومع متابعة الملايين لها عبر الإنترنت، قالت إن مجرد يوم واحد من الصمت على وسائل التواصل الاجتماعي يثير الذعر بين جمهورها، حيث يخشى الناس أن تكون قد قُتلت.
واسترجعت العقاد، التي ولدت ونشأت في غزة، ذكرى إجبارها على الفرار في نوفمبر 2023 مع خمس دقائق فقط ل berk حزم أمتعتها، تاركة وراءها منزلاً لن يعود موجوداً أبداً بالشكل الذي تتذكره.
وقالت: "ليس لديك وقت لتقرر ما هو المهم.. ومع كل حركة، تصبح الحقيبة أخف، حتى تدرك أنك بلا مأوى". وتذكرت كيف تركت وراءها أولاً جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بها، ثم سترة ثقيلة، حتى لم يتبق سوى "حقيقتك وكلماتك".
ووصفت متابعيها الذين يتجاوز عددهم أربعة ملايين بأنهم مسؤولية وعبء في آن واحد، قائلة: "كلما زاد ظهورك، أصبحت مستهدفاً أكثر".
وأوضحت أن المسافات والحدود لم تمحُ الخوف على الفور؛ ففي بعض الأحيان، كان يلاحقها إلى مساحاتها الخاصة، وحتى إلى صفحات كتابها "عيون غزة" (The Eyes of Gaza)، الذي يمزج بين مدونات يومية وتأملات وشعر.
وقالت: "مرت فترة بدأت فيها بفرض رقابة على مذكراتي الخاصة.. شعرت أنني مراقبة طوال الوقت، حتى خط يدي بدأ يبدو محفوفاً بالمخاطر". وتوثق المذكرات، التي كُتبت بين أكتوبر 2023 ويناير 2025، حياتها تحت القصف والنزوح والمنفى، وعملية تحويل كتابة شخصية عميقة إلى كتاب منشور.
كما تأملت العقاد في اختيارها لدراسة الصحافة، واصفة إياها ليس كطموح مهني، بل كمهمة. وقالت: "أنا أؤمن بالصحافة.. لكنني أعتقد أن جزءاً من سبب اختياري لها هو أنني فلسطينية. لقد رأيت كيف تم تجريدنا من إنسانيتنا، وأردت استعادة الرواية". وأخبرت الجمهور أنها تعتقد أن الفلسطينيين لا يكبرون ومعهم أحلام، بل يكبرون ومعهم مهام.
واعترفت بأنه لولا الاحتلال، لربما بدت حياتها مختلفة تماماً. وقالت: "ربما كنت سأدرس المسرح.. ربما كنت سأمثل في أفلام كوميدية. لكن النشأة تحت الاحتلال تمنحك واجباً وهدفاً".
وبالتطلع إلى المستقبل، كشفت العقاد عن خطط لاستكشاف سرد القصص بما يتجاوز الصحافة، بما في ذلك التمثيل، وأكدت أنه تم اختيارها للمشاركة في فيلم سينمائي قادم يتمحور حول فلسطين.
وقالت إن ذلك الهدف يأتي الآن مع أسئلة صعبة؛ حيث فحص الناشرون لغتها، وراجع المحامون مذكراتها سطراً بسطر. وتمت مناقشة كلمات معينة ليس لأنها غير دقيقة، بل لأنها مشحونة سياسياً.
وقالت: "الخوف لم يكن أبداً حول ما إذا كان شيء ما قد حدث، بل كان حول ما إذا كان مسموحاً لنا بتسميته". وأضافت أن نشر الكتاب في الولايات المتحدة كان تحدياً بشكل خاص، حيث أراد بعض الناشرين تخفيف اللغة أو إزالة أقسام بالكامل.
وعقّبت قائلة: "لكن لا يمكنك فرض الرقابة على تجربة شخص عاشها.. إذا كان لدى الناس القدرة على منع ما حدث، فكان ينبغي عليهم استخدامها حينها، وليس على صفحات الكتاب".
وعلى الرغم من ثقل الموضوع، قالت العقاد إنها تستمر في الكتابة دون قواعد صارمة؛ ففي بعض الأيام تأتي الكلمات كشعر، وفي أيام أخرى تأتي كمذكرات غير منقحة، وهي تقاوم فرض هيكل معين على الحزن. كما تحدثت بصراحة عن الصحة النفسية، واصفة الحاجة إلى الإبطاء والاعتراف بالحدود البشرية.
وختمت قائلة: "لسنا أبطالاً خارقين.. هناك أيام لا تستطيع فيها النظر (إلى ما يحدث) بعد الآن، وهذا لا يجعلك ضعيفاً".