"المسافرون الجدد": مقيمون في الإمارات وعاملون بالخارج

مع تزايد فرص العمل في الخليج، ظهرت فئة جديدة يسافرون أسبوعياً للعمل في الدول المجاورة
"المسافرون الجدد": مقيمون في الإمارات وعاملون بالخارج
تاريخ النشر

في مشهد بات مألوفًا في مطارات الدولة، يتجه بعض المقيمين في ساعات الصباح الأولى من كل يوم اثنين إلى المطارات، مرتدين بزاتهم الرسمية، متوجهين إلى الرياض أو إحدى العواصم الخليجية الأخرى، ليباشروا أعمالهم في تمام التاسعة صباحًا بمكاتب العملاء هناك. وبحلول مساء الخميس أو صباح الجمعة، يعودون إلى الإمارات، ليستهلوا عطلتهم الأسبوعية بين أفراد أسرهم وأصدقائهم.

يُشكّل هؤلاء المقيمون فئة جديدة تُعرف بـ"المسافرين الدائمين"، وهي ظاهرة آخذة في النمو مع توسّع الفرص الاقتصادية في دول الخليج. يسكن هؤلاء في الإمارات – حيث يجدون جودة الحياة والاستقرار – لكنهم يعملون بدوام كامل في دول مجاورة، متنقلين جوًا بانتظام كما لو أنهم يتنقلون بين أحياء مدينة واحدة.

تابع آخر الأخبار. تابع KT على قنوات واتساب.

روتين غير تقليدي... لكنه منظم

يتسم جدولهم الأسبوعي بالثبات: التحضير يوم الأحد، السفر فجر الاثنين، والعودة المنتظمة نهاية الأسبوع. ومع مرور الوقت، اعتمد الكثير منهم على نهج عملي، فتركوا "خزانة ثانية" في الفنادق أو الشقق التي يقيمون فيها بالخارج لتقليل الأحمال وتبسيط إجراءات السفر.

"ما زلت أعيش في دبي"

يقول رؤوف القمطي (33 عامًا)، وهو شريك في شركة الاستشارات "Four Principles"، إنه يقضي معظم أيام الأسبوع في الرياض لقيادة مشاريع مع عملاء سعوديين، لكنه يعود في نهاية الأسبوع إلى الإمارات، متنقلاً بين أبوظبي حيث تقيم زوجته، ودبي التي أصبح يعتبرها وطنًا منذ أن استقر فيها في سن العشرين.

ويضيف: "السفر جزء طبيعي من حياتنا المهنية في الاستشارات. النمو هنا سريع والتعلم مستمر. النجاح يتطلب التزامًا كاملاً، ولهذا أخبر فريقي دائمًا: إذا لم تكن ملتزمًا بنسبة 100%، فلن تنجح".

رغم التحديات اللوجستية في التنقل الدائم، فإن رؤوف يعتبر أن الحياة في الإمارات لا تُضاهى. "زوجتي في أبوظبي، أصدقائي في دبي، وبنيت حياتي هنا. رغم كل شيء، لا أشعر أبدًا أنني غادرت. لا زلت أقول: أنا أعيش في دبي".

"أعيش في دبي وأعمل في الرياض"

وبالنسبة لديفيد فاخوري (28 عامًا)، المستشار الأول في شركة "Four Principles"، بدأت رحلته المهنية في الخليج عام 2024 واختار دبي مارينا مقرًا لإقامته. يسافر صباح كل اثنين إلى الرياض ويعود مساء الخميس، في نمط حياة أصبح، كما يقول، "اعتياديًا تمامًا، باستثناء أن وسيلة التنقل هي طائرة وليست سيارة".

ويضيف: "القرار كان واعيًا من البداية. المهنيًا، الرياض هي مركز النشاط، لكن حياتي الشخصية ومجتمعي في دبي. الإيقاع هنا يناسبني تمامًا".
ومع مرور الوقت، باتت حقيبته خفيفة؛ لا يحمل إلا حاسوبه المحمول، أما ملابسه فموجودة في خزانته الثانية بالرياض، وجميع حجوزاته تتم مسبقًا عبر نظام الشركة.

وعلى الرغم من توازن الحياة، إلا أن فاخوري يعترف بأنه "يفوت بعض اللحظات خلال أيام الأسبوع"، لكنه يعوّض ذلك في نهاية الأسبوع بقوله: "الجمعة هي وقتي الخاص – ألعب البادل، وأسهر مع أصدقائي، وأجرب أماكن جديدة – هذا ما يساعدني على الحفاظ على التوازن".

العائلة أولاً… ولو من السماء

أما أريجيت ناندي، الذي يعمل في قطاع التمويل بالرياض، فيؤمن أن العودة نهاية كل أسبوع إلى دبي تتجاوز العمل أو الروتين، بل تعني العائلة. يقول: "أقوم بهذه الرحلات منذ أربع سنوات. بدأت بزيارات كل أسبوعين، والآن أعود كل عطلة نهاية أسبوع، كي لا أفوّت لحظات نمو ابني".

يقيم ابنه وزوجته في دبي حيث يدرسون ويعملون، ويضيف: "في هذه المرحلة من حياته، من المهم أن يشعر ابني بالاستقرار، لديه أصدقاؤه ومدرسته هنا، كما أن مسيرة زوجتي المهنية مرتبطة بالإمارات. لذلك نُبقي الأمور كما هي الآن، لكن في المستقبل قد ينضمّون إليّ".

ويؤكد أن تكلفة الرحلات الأسبوعية يتحمّلها ذاتيًا: "أغادر مكتبي مباشرة إلى المطار، وأحيانًا أضطر لإلغاء الرحلات في اللحظات الأخيرة إذا طرأت اجتماعات طارئة. نعم، أفقد ثمن بعض التذاكر، لكن بالنسبة لي هذا ثمن بسيط مقابل أن أكون موجودًا كل نهاية أسبوع".

تحديات وحلول

رغم الجانب المنظّم لهذه الحياة، إلا أن المحافظة على الصحة الجسدية والنفسية تشكل تحديًا. فتكرار الرحلات وتبدّل البيئات يدفع هؤلاء إلى إنشاء روتين خاص، سواء في النوادي الرياضية أو خيارات الطعام داخل الفنادق والمطارات.

ومع ذلك، يتفق كثيرون منهم على أن هذا النمط يستحق الجهد، فهو يضمن استمرار المسيرة المهنية دون التضحية بجوانب الحياة الشخصية والعائلية.

الإمارات… الوجهة التي يعود إليها القلب

في نهاية المطاف، يرى هؤلاء أن الإمارات — وتحديدًا دبي — تمثل أكثر من مكان إقامة، بل محور الحياة والمجتمع والراحة، فيما تبقى عواصم الخليج الأخرى ساحات النمو والانطلاق المهني.

وبين الانتعاش الاقتصادي المتواصل في الخليج، وتطور قطاع الطيران والنقل، تُشير المؤشرات إلى استمرار هذه الظاهرة وازدياد عدد الأشخاص الذي يختارون الجمع بين العمل في الخارج والحياة في قلب الإمارات.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com