

تركز الكيانات الحكومية وشبه الحكومية في مختلف أنحاء الإمارات بشكل متزايد على استقطاب الكفاءات الإماراتية ذات الخبرة في القطاع الخاص، إذ تعتبر المهارات الفريدة وأخلاقيات العمل التنافسية المكتسبة في بيئة الأعمال التجارية أصولاً قيّمة لتطوير الخدمات العامة.
ويأتي هذا التحول الاستراتيجي تزامناً مع نجاح الإمارات الكبير في برنامج التوطين، حيث بلغ عدد المواطنين العاملين في القطاع الخاص أكثر من 152 ألفاً حتى يونيو 2025، بزيادة 33% خلال النصف الأول من العام وحده.
يعكس هذا النمو نجاح المبادرات الحكومية بقيادة مجلس تنافسية الكوادر الإماراتية "نافس"، الذي يستهدف توظيف 75 ألف مواطن في القطاع الخاص على مدى خمس سنوات.
أكدت عذاري محمد، المديرة التنفيذية للموارد البشرية والتطوير في هيئة الطرق والمواصلات بدبي، المزايا المميزة لتوظيف الإماراتيين في القطاع الخاص. وقالت: "نؤمن بكفاءات المواطنين أينما وجدوا، سواء في القطاع الخاص أو الحكومي".
وأضافت: "ما يميز المواطنين العاملين في القطاع الخاص طبيعة العمل هناك، والتنوع القائم، وتفاعلهم المستمر مع جنسيات متعددة وقطاعات مختلفة، إلى جانب ساعات العمل الأطول والأهداف الأكثر تحدياً".
وأشارت إلى أن مرونة القطاع الخاص تمنحهم سرعة في التكيف والتنفيذ، قائلة: "الحكومة لديها قوانين وقرارات تستغرق وقتاً لتطبيقها، بينما يتمتع القطاع الخاص بسياسات أكثر مرونة. وعندما يكون المواطن مؤهلاً بهذه الطريقة، يصبح من الأسهل عليه التكيف مع بيئة العمل الحكومي، ومن الأسهل علينا استقطابه لما لديه من مهارة وسرعة في التغيير وتنفيذ المهام".
ويتفق مع هذا الرأي عبدالعزيز الفلاحي، المشرف العام على عمليات التوظيف في القطاع الخاص بمجلس تنمية الموارد البشرية الإماراتي.
وأكد على أهمية اكتساب الخبرة في القطاع الخاص كخطوة أساسية للنمو المهني. وقال: "نحن نؤكد على أهمية العمل في القطاع الخاص؛ فالهدف من ذلك اكتساب الخبرة. معظم الشركات عالمية، ويكتسب المواطنون خبرات ومعارف بالعمل فيها".
وأشار الفلاحي إلى أن خبرة القطاع الخاص تساعد الإماراتيين حتى على تأسيس أعمالهم الخاصة. وأضاف: "على سبيل المثال، إذا عمل المواطن ثلاث سنوات في شركة بمجال الخدمات اللوجستية، فلا عذر له بعدها لعدم تأسيس شركته الخاصة".
وأوضح أن بيئة القطاع الخاص الصارمة تُعد بمثابة دورة تدريبية مهمة، مشيراً: "العمل في القطاع الخاص يتسم بالصرامة فيما يتعلق بالأرباح، والأهداف، والانضباط في الحضور، وأداء المهام وغير ذلك. وهذا أشبه ببرنامج تدريبي يؤهل المواطن للانضمام لاحقاً إلى الحكومة. ومن المعروف أن الحكومة، بقيادة الشيخ محمد بن راشد، لن تقبل بأقل من ذلك المستوى".
وتسهم الخبرات والمعرفة المتاحة في شركات القطاع الخاص بشكل كبير في رفع الكفاءة لدى العاملين، مما يجعل استقطابهم إلى وظائف الحكومة أمراً أسهل وأكثر قيمة لإضافة خبرات عملية إلى القطاع العام.
يحظى هذا الاهتمام المتزايد بخبرة القطاع الخاص بدعم من قرار صدر عن مجلس الوزراء الإماراتي مؤخراً يقضي بإعطاء الأولوية في التوظيف بالحكومة الاتحادية للمتقدمين الإماراتيين الذين لديهم ثلاث سنوات خبرة على الأقل في القطاع الخاص.
ويهدف القرار، الذي أُعلن عنه في مايو 2024، إلى الاستفادة من الخبرات المكتسبة في القطاع الخاص لتعزيز جودة الخدمات داخل الدوائر والمؤسسات الحكومية.
ويأتي هذا التوجه في إطار مساعي الدولة لتشجيع المواطنين على الالتحاق بالوظائف في القطاع الخاص، حيث توجد تشريعات تُلزم الشركات الخاصة بزيادة أعداد المواطنين العاملين لديها سنوياً.
وبموجب الأنظمة الحالية، يتعين على الشركات الخاصة التي تضم 50 موظفاً فأكثر تحقيق زيادة سنوية بمعدل 2% في نسبة التوطين للوظائف الماهرة، بهدف الوصول إلى نسبة إجمالية تبلغ 10% بحلول عام 2026.
كما تم توسيع نطاق المتطلبات ليشمل الشركات التي تضم ما بين 20 إلى 49 موظفاً، إذ يتوجب عليها توظيف مواطن إماراتي واحد على الأقل اعتباراً من 2024، على أن يرتفع العدد إلى اثنين بحلول 2025.
ويعكس هذا التوجه إدراك القيادة الإماراتية أن الفارق التقليدي بين مزايا القطاعين العام والخاص بات يتقلص، مما يجعل التنقل بينهما أكثر جاذبية للكوادر الوطنية.
ومع اشتداد المنافسة بين الكيانات الحكومية لاستقطاب الكفاءات، فإن التركيز على خبرات القطاع الخاص يمثل عصراً جديداً في التوظيف الحكومي يقوم على تقدير الخبرة التجارية والقدرة على التكيف.