

صور الخليج تايمز: نيراج مورالي
يستعد 11 فريقًا من مختلف أنحاء العالم لخوض منافسات أكبر سباق سيارات ذاتية القيادة في العالم، والمقرر إقامته يوم 15 نوفمبر على حلبة مرسى ياس، بجائزة إجمالية قدرها 2.25 مليون دولار. وقد تأهّلت ست سيارات ذاتية القيادة بالكامل من فرق تمثل ألمانيا وإيطاليا والإمارات إلى الجولة النهائية الكبرى، بينما ستتنافس خمسة فرق أخرى، من بينها الفريق الأمريكي "كود 19"، في سباق الفضة.
في كواليس الحلبة، حيث تختلط رائحة الإطارات المحترقة برائحة الأسلاك المُلحمة، يعمل ميكانيكيون، ومهندسو ذكاء اصطناعي، وعسكريون سابقون أصبحوا خبراء في البرمجة، جميعهم في تناغم يُثبت أن «القيادة الذاتية» لا تعني الاستقلال التام عن العنصر البشري؛ فكل سيارة من سيارات «دوري أبوظبي للسباقات ذاتية القيادة – A2RL» تحمل في شيفرتها جزءًا من شخصية مبرمجيها.
قال كبير الميكانيكيين "مايكل نوس"، المشرف على أربع سيارات في الدوري: «هيكل السيارة المادي نفسه لم يتغير، لكن أنظمة القيادة الذاتية كلها أصبحت محدثة، كما تطورت جميع التوصيلات الداخلية. في العام الماضي، كانت السيارات تسير بسرعة تتراوح بين 20 و30 كم/ساعة، أما الآن فهي قريبة جدًا مما يمكن للسائق البشري أن يفعله».
وعلى عكس سباقات الفورمولا 1، لا توجد هنا أجهزة اتصال بين الفريق والسائق، ولا تَبديل للإطارات أثناء السباق، فكل سيارة تتخذ قراراتها بنفسها من خلال الحساسات والخوارزميات، بناءً على “شخصيتها الرقمية” التي برمجها فريقها. ومع ذلك، يقف فريق كامل من البشر وراء الكواليس لمراقبة البيانات وصيانة "العقول الاصطناعية" لتلك السيارات.
الميكانيكي "أرشد ت.س" تحدث عن تجربته قائلاً: «كان عليَّ أن أتعلم كيفية تعديل الأنظمة الكهربائية - الرادار والليدار والكاميرات». وأضاف زميله عميرو شاكير مازحًا: «القيادة الذاتية يمكن أن تكون أكثر متعة أيضًا».
تلك الروح من الفضول والدقة التقنية تحرك الفرق المتنافسة في هذه البطولة، التي تمثل ذروة الاندماج بين الإنسان والآلة.
ومن فريق TII Racing الإيطالي، قال المدير التقني "جيوفاني باو": «نختبر خوارزمياتنا لتحسين الأداء وفقًا لمسار الحلبة... عليك أن تكون سريعًا، وتصل إلى السرعة المثلى بسرعة كبيرة». وأشار إلى أن فريقه، الذي انضم حديثًا إلى الدوري هذا العام، حقق بالفعل سرعة قصوى بلغت 248 كم/س على الخط المستقيم الخلفي للحلبة.
لكن حتى الكود البرمجي المثالي قد يواجه مفاجآت أشبه بتلك التي تصدر عن الإنسان، كما يوضح باو قائلاً: «في بعض الأحيان تتوقع أداءً معينًا فتحصل على شيء أفضل قليلًا – أو أسوأ كثيرًا. أحيانًا تظن أن كل شيء سيكون على ما يرام، وفجأة تتوقف السيارة في منتصف المسار، وتعيش تلك الثواني الثلاث الحرجة: ‘لا تلمس الحاجز، لا تلمس الحاجز’».
يتذكر باو تجربة فريقه العام الماضي، حين شارك في العرض الذي جمع بين السائقين البشر والسيارات الذاتية القيادة: «اشتركنا العام الماضي في العرض مع السائق دانييل كفيات. كان أسرع منا بعشر ثوانٍ تقريبًا... لكن الأمر يحتاج فقط إلى وقت للتعلم».
هذا التحدي سيعود مجددًا في نهاية هذا الأسبوع عندما يواجه أبطال النسخة السابقة من جامعة ميونخ التقنية (TUM) السائق السابق في الفورمولا 1 دانييل كفيات، في جولة «الإنسان ضد الذكاء الاصطناعي» ضمن ختام الموسم الثاني من البطولة. ويقول المنظمون إن هذا الحدث يمثل «المرة الأولى التي تتنافس فيها ست سيارات ذاتية القيادة بالكامل جنبًا إلى جنب على المضمار».
ابقَ على اطلاع بأحدث الأخبار. تابع الخليج تايمز على قنوات واتساب.
وعلى الجانب الآخر من الحلبة، يُجسد فريق «كود 19» الأمريكي قصة مختلفة تمامًا. فالشريكان المؤسسان "لورانس والتر" و"أوليفر ويلز" جاءا من خلفية عسكرية. يقول والتر: «رأينا كيف باتت الأنظمة الروبوتية والذاتية القيادة مهمة جدًا في المجال العسكري، وأدركنا أن تطبيق هذه التقنية على حلبة السباق يحمل إمكانيات هائلة. نحن الاثنان من عشاق السرعة».
عمل والتر ضابط استخبارات في الجيش الأمريكي، خدم في مجالات الأمن السيبراني والعمليات الخاصة، بينما لا يزال شريكه ويلز يخدم في الاحتياط. وبين المهمات العسكرية، أسسا ما يصفانه بأنه «أول فريق محترف في العالم للسباقات الذاتية القيادة».
وأضاف والتر: «المُنظّمون خاطروا بمنحنا فرصة رغم عدم خبرتنا السابقة في عالم السيارات، لكننا أثبتنا جدارتنا بما قدمناه على الحلبة». ويرى أن التحضير للسباق يشبه إلى حد كبير العمل الميداني العسكري: «كل شيء يتعلق بالتحضير والسرعة – ليس فقط السرعة على المضمار، بل سرعة الهندسة والابتكار. تخرج لخمسة عشر دقيقة، تعثر على المشكلات، تعود إلى القاعدة، تحمّل الجيجابايت من بيانات السيارة، تُجري التعديلات، ثم تعود إلى المضمار».
ويعترف والتر بأن الفشل جزء من العملية: «تعرضنا لعدة حوادث تصادم – لكن هذا هو طريق التعلم. لا يمكنك أن تخشى الفشل، الأهم هو كيف تتعلم منه». هذا الموسم يركّز فريق «كود 19» على مفهوم «المحلية» أو تحديد الموقع بدقة داخل الحلبة، وقال والتر: «نظام الـ GPS يمنحك دقة في حدود متر واحد، لكننا طورنا خوارزميات تمنحنا دقة بمستوى السنتيمتر الفرعي. إذا لم تكن تعرف موقعك بدقة، فلن تتمكن من الاقتراب بثقة من المنعطفات».
أنهى الفريق الموسم الماضي كأفضل الوافدين الجدد، في المركز الخامس من أصل ثمانية فرق. ومع وجود 11 سيارة هذا العام، يطمح الفريق لتحقيق نتيجة أفضل. يوضح والتر: «أسرع لفة لسيارة ذاتية القيادة استغرقت 58 ثانية – بينما أسرع لفة بشرية كانت 59 ثانية». هذا الإنجاز يعني أن السيارات الذاتية القيادة أصبحت تضاهي أداء السائقين المحترفين، وهو ما يلهب حماس الفرق الفنية، إذ يتحول دور الإنسان تدريجيًا من القيادة المباشرة إلى إدارة الاستراتيجية وتحليل البيانات الدقيقة.
يقول باو في ختام حديثه: «عليك أن تثق في ما برمجته، وفي ما بنيته، لكنك تحتاج أيضًا إلى رصد ما يحدث في تلك اللحظة الحية أثناء اللفة». وعندما تنطلق سباقات السيارات الذاتية القيادة على حلبة مرسى ياس يوم السبت، ستكون مقصورات القيادة صامتة تمامًا، لكن في المرائب سيحتبس المهندسون والميكانيكيون أنفاسهم، ينصتون إلى همهمة الخوادم، ويراقبون بأعينهم واحدة من أسرع التجارب في العالم لقياس نبض الذكاء الاصطناعي وهو يركض على الإسفلت.