تُعدّ الصحة النفسية ركيزة أساسية من ركائز استقرار الإنسان وقدرته على التكيّف، وتزداد أهميتها في أوقات الحروب أو التوترات الأمنية التي قد تمر بها الدول. وفي مثل هذه الظروف، تحرص قيادة الدولة وحكومتها على طمأنة المواطنين والمقيمين، مؤكدة قدرة الجهات المختصة على حماية الوطن والتصدي لأي تهديد بكفاءة واقتدار بما يعكس جاهزية عالية ويعزز الشعور بالأمان والاستقرار. ورغم هذه الطمأنينة، تبقى المشاعر الإنسانية الطبيعية كالقَلَق والترقّب حاضرة لدى البعض، ما يجعل الحفاظ على التوازن النفسي ضرورة لا تقل أهمية عن الحفاظ على السلامة الجسدية.
د.شذى الغزالي
خبرة الكبار… صمّام أمان نفسي للعائلة
في هذا السياق استشرنا د. شذى محمد الغزالي مؤسس شذى الحياة لاستشارات تطوير أسلوب الحياة وتقول أن كبار السن تحديدًا يملكون نعمة الخبرة ومشاركة القصص عن مراحل صعبة تم تجاوزها بالحكمة والصبر والتي تمنح الأطفال بدورها إطارًا لفهم أن الأزمات عابرة و أن أن الدعاء الجماعي والحديث عن قيم الشجاعة والتعاون يعززان الانتماء. مشيرة أن حضورهم اليوم ليس دورًا عاطفيًا فحسب، بل مسؤولية تربوية ووطنية عميقة. أطفالنا قد لا يفهمون تفاصيل ما يحدث، لكنهم يلتقطون مشاعر الكبار بدقة. القلق ينتقل بسرعة، كما تنتقل الطمأنينة. لذلك يبدأ الأمان من داخلنا نحن. وأول خطوة لطمأنة الأطفال هي تقليل تعرضهم للأخبار والصور المتداولة، خاصة المقاطع الصادمة. وإذا سأل الطفل، نجيبه بإيجاز يناسب عمره، دون تهويل أو تفاصيل مربكة. يكفي أن نقول: “هناك أمور تحدث خارج بلدنا، لكن في دولتنا فرق تحمينا وتعمل على سلامتنا”. هذه العبارة البسيطة تزرع الثقة. من المهم أيضًا "الحفاظ على الروتين اليومي" ، مواعيد النوم المنتظمة، الوجبات العائلية، والأنشطة المعتادة تعيد للطفل شعور الاستقرار، فالروتين بالنسبة له دليل أن الحياة تسير بشكل طبيعي.
وتؤكد أن الاحتواء الجسدي له أثر بالغ. عناق دافئ، جلوس بقرب الطفل، أو الإمساك بيده أثناء الحديث يعيد لجهازه العصبي إحساس الأمان. يمكن تعليمهم “تمرين تنفس بسيط”: شهيق بطيء من الأنف، وزفير أطول من الفم، كأننا ننفخ بالونًا ثم نفرغه ببطء. هذه المهارات الصغيرة تمنحهم أدوات للتعامل مع القلق.
وفي ظل الجاهزية العالية والاستجابة الاحترافية من الجهات المختصة تحت القيادة الرشيدة، تبقى رسالتنا لأبنائنا واضحة: نحن بأمان. عندما يكون الكبار ثابتين، يهدأ الصغار. وحين يطمئن البيت، يطمئن القلب، وتبقى الأسرة متماسكة مهما اشتدت الظروف.
أ.شيماء الجابري
اعترف بمشاعرك وتعلم كيف تنظمها
من جانب آخر تتوجه شيماء الجابري – كوتش تنفيذي وعلاقات برسالة إلى كل من يشعر بثقل هذه المرحلة، مؤكدة أن ما يمر به الناس من توتر أو قلق في أوقات التهديدات الأمنية هو أمر مفهوم وطبيعي. وتوضح أن أول خطوة للاطمئنان هي الاعتراف بالمشاعر كما هي، دون إنكار أو جلد للذات؛ فاضطراب النوم، وتسارع الأفكار، أو حتى الشعور بالخدر العاطفي، كلها استجابات بشرية عند التعرض للضغط. وتقول بلطف: “لا تخف من مشاعرك، فقط تعلّم كيف تنظمها”.
وتنصح القارئ بالتعامل بحكمة مع الأخبار، موضحة أن كثرة المتابعة لا تعني مزيدًا من الأمان. وتقترح:
• تخصيص وقتين قصيرين يوميًا للاطلاع على المستجدات.
• الاكتفاء بمصدر رسمي موثوق.
• تجنب مشاهدة المقاطع الصادمة المتكررة.
وتؤكد أن هذا السلوك ليس هروبًا، بل رعاية واعية للنفس.
وتشير الجابري إلى أن الجسد يحتاج إلى الطمأنة كما يحتاجها العقل، لأن الجسم في أوقات الخطر يدخل في حالة تأهب مستمرة. وتقترح تمرينًا بسيطًا للتنفس:
• شهيق لأربع ثوانٍ.
• زفير لست ثوانٍ.
• تكرار ذلك لخمس دقائق.
وتقول إن هذه الدقائق القليلة قد تعيد الإحساس بالهدوء وتخفف من حدة التوتر.
كما تدعو إلى التفريق بين ما يمكن السيطرة عليه وما لا يمكن تغييره، بسؤال النفس: ماذا أستطيع أن أفعل اليوم لحماية نفسي وأسرتي؟ ثم الاكتفاء بذلك دون استنزاف في التفكير بما هو خارج الإرادة. وتشجع على عدم العزلة، مؤكدة أن مشاركة الحديث مع شخص موثوق تخفف كثيرًا من العبء، وأن طلب الدعم لا ينتقص من القوة بل يعززها.