الانهيار الصامت في العمل: ظاهرة متنامية تهدد الصحة النفسية للموظفين

العالم يشارك تجاربه على الإنترنت فيما يخص بيئة العمل المتعبة وتأثيرها السلبي على نفسية الموظفين
الصورة: بيكسلز

الصورة: بيكسلز

تاريخ النشر

عندما يسألها مديرها: "هل يمكنكِ تولي هذا المنصب؟"، تسمع سابينا نفسها توافق - حتى مع شعورها بالضيق لرؤيتها قائمة مهامها المتراكمة. كانت بحاجة ماسة لهذه الوظيفة - حتى لو تطلب الأمر القيام بعمل ثلاثة أشخاص في ظلّ ضائقة مالية تواجهها شركتها.

مرّ أكثر من عام من العمل الإضافي المتواصل، ولم تستطع الشابة ذات الاثنين والعشرين عامًا إنكار الأثر الذي بدأت تُلقيه بيئة عملها عليها. كان المشهد نفسه بعد عودتها إلى المنزل كل يوم: مُتكئة على الأريكة، والدموع تنهمر بصمت على وجهها وهي تُتابع "الأمور المُقلقة"، مُدركةً أنها ستُضطر إلى تكرار الأمر نفسه غدًا.

هذه ليست قصةً فريدةً لسابينا. فقد اجتاحت هذه الظاهرة العالمية الإنترنتَ في الأشهر الأخيرة، حيث شارك موظفون من جميع أنحاء العالم تجاربهم على منصات التواصل الاجتماعي، مثل تيك توك ولينكدإن. ويقول بعض موظفي الإمارات إنهم يتفاعلون أيضًا مع هذه التجربة، التي يُشبِّهونها بالمراحل الأولى من الإرهاق.

ما هو "الانهيار الصامت"؟

لم تُغيّر جائحة كورونا طريقة عمل الناس فحسب، بل تركت أثرًا دائمًا على شعورهم في العمل. فإلى جانب الاستقالات والإرهاق، ينتشر تحدٍّ أكثر خفاءً في أماكن العمل: الموظفون الذين يبقون في مناصبهم لكنهم يشعرون بقلق وانفصال متزايدين.

على عكس الاستقالات الواضحة أو الانخفاض الحاد في الأداء، فإن هذه المشكلة تتسلل بهدوء. يبقى الموظفون في وظائفهم وينجزون مهامهم، لكن حافزهم ورضاهم يتآكلان داخلياً.

"الانهيار الصامت" ليس مجرد إرهاق؛ بل هو الانهيار البطيء لشعور الرضا في العمل، مدفوع بعدم اليقين في سوق العمل، وقلة فرص النمو، والخوف من تقادم المهارات، وتأثير الذكاء الاصطناعي المتزايد.

في دبي، تقول جيمي التي تعمل في وكالة وسائط اجتماعية إنها بالكاد "تحافظ على توازنها". تتزايد مسؤولياتها في العمل باستمرار، وتقول إنه لا يوجد حوافز مالية أو هيكل للنمو في المؤسسة يجعلها تشعر بالتقدير.

وأضافت لاحقاً أنها لا تستطيع التفكير في مستقبل داخل شركتها، وهي "دائماً تبحث" عن وظائف أخرى، لكنها لا تستطيع الاستقالة لأنها بحاجة إلى الدخل.

وفقاً لاستطلاع أجرته Talent LMS، التي صاغت مصطلح "الانهيار الصامت" استناداً إلى نتائجها، فإن واحداً من كل خمسة عمال في الولايات المتحدة يقولون إنهم عالقون في "حالة مستمرة من عدم الرضا في مكان العمل" تؤدي إلى "الانفصال، ضعف الأداء، أو التخطيط للاستقالة."

أليس هذا مجرد إرهاق؟

تقول هبة علي، وهي أخصائية نفسية مرخصة من هيئة تنمية المجتمع في دبي، إن الأمرين متشابهين في نفس الأعراض".

وقالت إن الفرق الرئيسي بين الاكتئاب السريري، والاحتراق الوظيفي، والانهيار الصامت هو أن الأخير "يظهر غالباً في مكان العمل وقد لا يؤثر على حياة الشخص الشخصية مع العائلة والأصدقاء."

وقال بدرو لاسيردا، رئيس فرع الإمارات في مجموعة TASC، إن الانهيار الصامت غالباً ما "لا يُلاحظ"، حيث قد لا يتأثر الأداء الخارجي أو الحضور في البداية.

وأضاف: "هذا 'الاحتراق الصامت' لا يؤثر فوراً على مقاييس الإنتاجية لكنه قد يؤدي في النهاية إلى فقدان كبير في درجة الارتباط العام إذا تُرك دون معالجة."

أما الاحتراق الوظيفي التقليدي، فهو أكثر وضوحاً، حيث يظهر عادةً كنوبات إرهاق شديد، توتر مزمن، وعدم القدرة على تلبية متطلبات العمل. وقد يعاني الموظفون الذين يعانون من احتراق وظيفي واضح من ضعف ملموس في الأداء والمعنويات حتى يصل الأمر إلى الغياب المتكرر.

من ناحية أخرى، يؤثر الاكتئاب السريري بشدة على جميع جوانب حياة الشخص ويتطلب دعماً طبياً متخصصاً. وتشدد هبة علي على أنه إذا تُرك الانهيار الصامت دون علاج، فقد "يتطور إلى احتراق وظيفي ثم إلى اكتئاب سريري إذا استمر لفترة طويلة."

كيف يبدأ

لا يحدث هذا بين عشية وضحاها. تقول س.ك، وهي مستشارة أولى في دبي، إنه "غالبًا ما يكون هناك بعض الخوف" عند بدء يومها.

وتضيف أن "هناك أوقاتًا تبدو فيها التوقعات غير واقعية، مثل العمل في وقت متأخر من الليل أو في عطلات نهاية الأسبوع، والتضحية بالوقت العائلي لمجرد الوصول إلى مواعيد نهائية ضيقة يمكن التفاوض عليها مع العملاء".

وأوضح لاسيردا أن "ارتفاع عبء العمل بشكل مستمر، والمواعيد النهائية غير الواقعية، والوتيرة المتسارعة دون موارد أو دعم كافيين، كلها عوامل تساهم بشكل رئيسي في إرهاق الموظفين".

وقال "عندما يشعر الموظفون بأنهم لا يملكون السيطرة على جداول أعمالهم أو المهام التي يتعاملون معها، فإن مشاعر العجز تتجذر، مما يجعل التحديات اليومية ساحقة".

بدأت س.ك تشعر بالتوتر عندما بدأت العمل لساعات متأخرة من الليل خلال شهر رمضان، وهو شهرٌ مُقدّسٌ بالنسبة لها كمسلمة ملتزمة، دون أي اعتبار يُذكر لها. كما تقول إنها تُعاني من "ضغط" لحضور التجمعات الاجتماعية المتعلقة بالعمل، حتى تلك التي لا تُناسب تفضيلاتها، مثل تلك التي تُركّز على شرب الكحول. أما بالنسبة لجيمي، فكان السبب هو عدم وجود تقدير أو مكافأة على مدار عامين.

تتفق هبة علي قائلةً: "إذا تعرّض الموظف للتجاهل المستمر، ولم يتلقَّ أي تقدير أو ثناء أو اعتراف، فقد يؤدي ذلك إلى شعوره بالاستياء، والشعور بعدم الجدارة، وانخفاض تقدير الذات، والشك الذاتي، وقلة الثقة، وضعف الدافعية". وهذا بدوره قد يدفعه إلى الانهيار بهدوء.

لكن هذا ليس كل شيء. فقد سلط المغتربان اللذان تحدثت إليهما صحيفة "خليج تايمز" الضوء على تأثير السياسة داخل شركتيهما والمحسوبية - من بين أمور أخرى - على صحتهما النفسية.

الانهيار الصامت مقابل الانسحاب الصامت

يحدث "الانهيار الصامت" حين يحضر الموظف للعمل ويؤدي مهامه بشكل ظاهر، لكنه فقد الدافع بعدة أسباب منها الشعور بالإرهاق، أو عدم التقدير، أو عدم الحصول على أجر كاف.

من الناحية الأخرى، الانسحاب الصامت ينعكس في تقليل المشاركة وعدم الرغبة في بذل جهد إضافي.

وأوضح لاسيردا أن "الانسحاب الصامت" يتمثل في أداء الحد الأدنى من متطلبات الوظيفة دون بذل جهد إضافي أو تحمل مسؤوليات إضافية. وهذه السلوكيات غالباً ما تكون قراراً واعياً لحماية النفس أو الاحتجاج على ظروف العمل السيئة.

ما يمكن لأصحاب العمل فعله

للحفاظ على بيئة عمل صحية وناجحة، من الضروري التعرف على رفاه الموظفين. وعندما يلاحظ المديرون أو الموارد البشرية علامات مبكرة على معاناة موظف ما، يصبح التدخل المهتم والحكيم أمراً ضرورياً.

قال لاسيردا إن بعض العلامات التي يجب الانتباه إليها تشمل "قلة المبادرة، الانسحاب العاطفي، قلة التواصل، تراجع غير متوقع في التركيز أو الأداء، والشعور بالتشاؤم بشأن فرص النمو."

وأضاف أن المديرين يجب أن يراقبوا أداء الموظف وأي علامات ضغوط ظاهرة. "بدلاً من التعامل مع الأمر عبر مناقشات موجهة للأداء فقط، من الضروري الاقتراب من الموظف بحساسية، معبراً عن الرعاية والدعم بدلاً من الحكم."

ووفقا لمسح أجرته شركة TalentLMS في وقت سابق من هذا العام، فإن 47 في المائة من الموظفين الذين يتسمون بالهدوء يقولون إن المديرين لا يستمعون إلى مخاوفهم.

لكن ليس كل شيء مفقود؛ يمكن لأماكن العمل إدخال مبادرات لتعزيز الصحة النفسية للموظفين.

ويقول علي إن رفع الوعي بحالات مثل الاحتراق الوظيفي، ومنح أيام إجازة للصحة النفسية، وتوفير جداول عمل مرنة، وأخذ ملاحظات مجهولة المصدر من الموظفين، وتشجيع التوازن بين العمل والحياة، وتهيئة بيئة للتواصل المفتوح عندما يشعر الموظفون بالإرهاق، كلها طرق تساعد في خلق بيئة عمل أفضل.

يضيف لاسيردا أنه بمجرد بدء التدخل، يجب أن يكون مدعومًا بدعم ملموس. "سواءً كان ذلك تعديلات في أعباء العمل، أو ترتيبات عمل مرنة، أو استشارات مهنية من خلال برامج مساعدة الموظفين، أو متابعة مستمرة، فإن الهدف هو ضمان حصول الموظفين على الدعم المهني والشخصي."

كيفية تجنب "الانهيار"

إذا كنت تعاني من أيٍّ من هذه المخاوف، فهناك عدة ممارسات يمكنك تطبيقها في مكان عملك. تقول هبة علي: "لا بأس برفض العمل أو المسؤوليات الإضافية إذا كنتَ مُرهقًا بالفعل. إن الرفض مهارة أساسية للعناية بالنفس".

وفيما يلي قائمة بالأشياء التي يمكنك القيام بها، وفقًا لعلي:

  • ضع حدودًا: حدّد بوضوح بين العمل والحياة الشخصية. تجنّب إرهاق نفسك بوضع حدود لساعات العمل والالتزامات.

  • إدارة الوقت: تعلم تقنيات إدارة الوقت الفعالة لتحديد أولويات المهام وتقليل التوتر المرتبط بالمواعيد النهائية وأحمال العمل.

  • مارس اليقظة الذهنية: شارك في أنشطة مثل الصلاة، والتأمل، وتمارين التنفس (للتقليل من الانفصال والانفصال)، أو ببساطة اذهب في نزهة على الأقدام.

  • انقطع عن العمل: بمجرد عودتك إلى المنزل، انقطع عن العمل. خصص وقتًا أسبوعيًا لنشاط أو هواية ممتعة، سواءً بمفردك أو مع أصدقائك أو عائلتك. تذكر أن الراحة قيّمة.

  • تواصل بصراحة: كن صريحًا مع صديق أو زوج أو زميل تثق به يمكنك الاعتماد عليه في الدعم والمساعدة. هذا يُقلل من إغراء العزلة والمعاناة في صمت.

  • إعطاء الأولوية للراحة: قلل من وقت الشاشة، وحاول الحصول على سبع ساعات من النوم على الأقل، وحاول الذهاب إلى الفراش مبكرًا.

  • احتفظ بمجلة صحية: اكتب أفكارك ومشاعرك السلبية لمنع التكرار والمساعدة في تنظيم عواطفك.

إذا كنت تشعر بأن صحتك العاطفية قد تدهورت وتؤثر سلبًا على جميع جوانب حياتك، فاطلب المساعدة المهنية.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com