

يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة رئيسية في العمل الاجتماعي والحماية الاجتماعية، واعداً بتبسيط المهام الإدارية وإتاحة المجال للعاملين للتركيز أكثر على رعاية المستفيدين. وفي منتدى الرعاية الاجتماعية في أبوظبي يوم الأربعاء، حذّر الخبراء من أنه رغم قدرة الذكاء الاصطناعي على تعزيز الكفاءة، فإن تبنيه يجب أن يترافق مع إشراف بشري، وتدريب مناسب، وضمانات لحماية البيانات الحساسة وصون ثقة الجمهور.
رافايلا هيي، وهي اقتصادية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، أبرزت المخاطر المرتبطة بالأنظمة الغامضة للذكاء الاصطناعي، والتي يُطلق عليها غالباً "الصناديق السوداء"، حيث تكون آلية اتخاذ القرار غير واضحة. وقالت: "الأشخاص الذين يعيشون أوضاعاً هشة يحتاجون إلى الثقة بالنظام. فالاعتماد الآمن على الذكاء الاصطناعي يتوقف على فهم كيفية اتخاذ القرارات، وهو ما يصعب تحقيقه غالباً".
أشارت هيي إلى فضيحة مكتب البريد في المملكة المتحدة كمثال تحذيري. وقالت: "تم تطبيق تقنية لإدارة الحسابات اليومية لكنها تعرضت لأعطال، ما أدى إلى اتهام موظفي البريد ظلماً بسلوك إجرامي. هذا يظهر الأهمية البالغة للإشراف البشري في البيئات الحساسة، بما في ذلك العمل الاجتماعي".
لقد استُخدم الذكاء الاصطناعي بنجاح بالفعل لتقليل أعباء العمل الإداري. وأشارت هيي إلى نظام تدوين الملاحظات المدعوم بالذكاء الاصطناعي في بلدية لندن، والذي قلّص وقت إعداد تقارير الأخصائيين الاجتماعيين من ساعة إلى ساعتين إلى 22 دقيقة فقط.
وأضافت: "أفاد الأخصائيون الاجتماعيون بأن مستويات الضغط لديهم انخفضت وأصبحوا قادرين على التركيز أكثر على المستفيدين. كما كان النظام مفيداً بشكل خاص للموظفين الذين يعانون من عسر القراءة." وشهدت مبادرات مماثلة في ألمانيا أتمتة العمليات المكتبية الروتينية، بينما أدّى تصميم سيئ للذكاء الاصطناعي في النمسا إلى زيادة الضغط على الموظفين من خلال ترك الملفات المعقدة فقط بين أيديهم.
وأكدت الدكتورة أسماء العزري، المدير التنفيذي لقطاع قضايا الأسرة في هيئة رعاية الأسرة بأبوظبي، أن تبني التكنولوجيا يجب أن يراعي سلامة مستخدميها.
وقالت: "ينبغي على كل أخصائي اجتماعي أن يعرف ما الذي يجعله مرناً ويشعر بالدعم. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُخفّض أعباء العمل، لكن من الأهمية بمكان أيضاً تقديم الاستشارات، والدعم من الزملاء، وفرص التطوير المهني". وأضافت أن تمكين الأخصائيين الاجتماعيين من خلال التدريب الكافي والدعم يعزز كفاءة تقديم الخدمات ويقوي المجتمع بأسره.
أندريا بيتريلي، خبير اقتصادي في منظمة العمل الدولية، قال إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في مواجهة نقص العاملين في قطاعي الصحة والرعاية الاجتماعية على مستوى العالم.
وأضاف: "على مستوى العالم، هناك 2.1 مليار شخص بحاجة إلى الرعاية، ومن المتوقع أن يرتفع الرقم إلى 2.3 مليار بحلول عام 2030. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُؤتمت المهام المتكررة، ما يمنح العاملين في قطاعي الرعاية الاجتماعية والصحية وقتاً أكبر للتفاعل الهادف مع المستفيدين".
وأكد بيتريلي أن هذه التكنولوجيا يجب أن تُستكمل بأطر سياسات مناسبة، ومساءلة واضحة، وتدريب للقوى العاملة. وقال: "العاملون بحاجة إلى مهارات رقمية، وفهم أساسي للذكاء الاصطناعي، والقدرة على ممارسة الحكم المستقل. وبدون هذه الضمانات، قد يهدد الذكاء الاصطناعي الاستقلالية المهنية وجودة الخدمات".
كما شدد الخبراء على أهمية إشراك المستفيدين في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. وقالت هيي: "إشراك المستفيدين في عملية التصميم يضمن أن تلبي الأدوات احتياجاتهم من دون إدخال تحيز أو استبعاد الفئات الضعيفة".
وأكّد كل من هيي وبيتريلي أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحل مكان الحكم البشري، بل يجب اعتماده كأداة دعم لتحسين الكفاءة والنتائج في مجال الحماية الاجتماعية.
ورغم أن اعتماد الذكاء الاصطناعي في الخدمات الاجتماعية يقدم وعوداً كبيرة، إلا أن المشاركين في النقاش أشاروا إلى تحديات تواجهه، منها خصوصية البيانات، وقابلية الأنظمة للتكامل مع البنى القائمة، والتعاون بين مختلف الجهات. وقال بيتريلي: "إمكانات الذكاء الاصطناعي هائلة، بدءاً من تسريع الوصول إلى الخدمات وصولاً إلى تحسين تخصيص الموارد. لكنها تتطلب إدارة حذرة، وأطر تنظيمية، واستثماراً في الثقافة الرقمية لضمان استفادة الموظفين والمستفيدين معاً".
ومع سعي الإمارات لتبني التحول الرقمي في الحماية الاجتماعية، خلص الخبراء إلى أن النجاح سيكون رهناً بالتوازن بين الابتكار التكنولوجي والرقابة الأخلاقية. وختمت هيي بقولها: "يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في جعل الخدمات الاجتماعية أكثر فاعلية، لكنه ليس بديلاً عن الحكم البشري. الأهم هو الحفاظ على الثقة، وحماية البيانات الحساسة، وإبقاء الأخصائيين الاجتماعيين في صميم العملية".