

لم يعد الأطفال يقتصرون على الصور العائلية أو مقاطع الفيديو المنزلية العارضة؛ ففي مختلف منصات التواصل الاجتماعي، يظهر الصغار في فيديوهات "فلوج" يومية، وشراكات مع علامات تجارية، ومقاطع "ريلز" ممولة، وغالباً ما يحدث ذلك قبل أن يبلغوا عمراً يسمح لهم بالفهم الكامل لمعنى أن يكون لديهم جمهور.
ومع بناء بعض هؤلاء الأطفال لمتابعات واسعة عبر الإنترنت منذ سن مبكرة، احتدمت النقاشات حول قضايا الموافقة، والسلامة، والخصوصية. ومع ذلك، يجادل بعض الآباء بأن صناعة المحتوى تعكس الكيفية التي يتغير بها العالم، حيث يُنظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي بشكل متزايد كقطاع مهني ومسار وظيفي مشروع.
وقالت "منيرة أ."، وهي صانعة محتوى بدأت بمشاركة فيديوهات عن التربية اللطيفة قبل أن يصبح طفلاها (9 و11 عاماً) ركيزتين أساسيتين في محتواها: "نحن ندير جدول التصوير بعناية فائقة". وأضافت: "إنهما يستمتعان بكونهما جزءاً من المقاطع، وعندما يحقق مقطع يظهران فيه أداءً أفضل من مقطع أظهر فيه بمفردي، يشعران بالفخر".
وأوضحت منيرة أن القرار اتخذ بالاشتراك مع زوجها، بناءً على الاعتقاد بأن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، وقالت: "إذا تمت إدارتها بشكل صحيح، فما المانع؟"، مؤكدة أنهما يحاولان إبقاء التجربة خفيفة وممتعة بدلاً من هيكلتها حول الأداء أو النتائج.
ويرى آباء آخرون أن صناعة المحتوى ليست مجرد ترفيه، بل فرصة طويلة الأمد. وقال "بسام" (اسم مستعار بناءً على طلبه): "جيل أطفالي مختلف تماماً عن جيلي، فهم أكثر تقبلاً للمسارات المهنية غير التقليدية".
ما بدأ كهواية، كما يقول بسام، تحول تدريجياً إلى خطة مالية: "هما لا يعلمان أن هذه الفيديوهات تدر دخلاً، فكل الأموال يتم ادخارها لمستقبلهما، سواء اختارا الاستمرار كصناع محتوى أو التوجه لمسار مختلف لاحقاً". وأضاف أن أحد الدوافع الرئيسية كان الخوف من أن "يتخلف" أطفاله عن الركب في عالم رقمي سريع التغير.
وفي دولة الإمارات، حيث يُتوقع استمرار توسع صناعة المحتوى، استحدثت السلطات أطراً قانونية تهدف إلى حماية الأطفال عبر الإنترنت. ويركز مرسوم بقانون اتحادي بشأن السلامة الرقمية للطفل على حماية القاصرين من المخاطر الرقمية وتعزيز الاستخدام المسؤول والملائم للعمر للتكنولوجيا، مع وضع التزامات على الأوصياء والمنصات لإعطاء الأولوية لحماية الطفل.
ابق على اطلاع بآخر الأخبار. تابع KT على قنوات واتساب.
بينما يركز الآباء على الإشراف والنوايا الحسنة، يحذر علماء النفس من أن التعرض المبكر للتقييم العام يمكن أن يحمل مخاطر طويلة الأمد.
وقال الدكتور ميزان محمد، اختصاصي علم نفس الأطفال والمراهقين، إنه يجب على الآباء إدراك الأثر النفسي لهذا التعرض، خاصة إذا ارتبط شعور الطفل بتقدير الذات بعدد المشاهدات والإعجابات. وأضاف: "إذا كان الكبار يطورون قلقاً حيال الأداء وردود فعل الجمهور، فإن الأطفال قد يكونون أكثر عرضة للخطر؛ فمنذ سن مبكرة، قد يبدأون في ربط قيمتهم بالمشاهدات وبكيفية إدراك الغرباء تماماً لهم".
كما يحذر علماء النفس من أن التعرض المستمر عبر الإنترنت يمكن أن يؤدي إلى تآكل إحساس الطفل بالخصوصية في وقت لا تزال فيه هويته قيد التشكل. فعندما تُشارك اللحظات اليومية أو العواطف أو الروتين علناً، قد ينشأ الأطفال دون حدود واضحة بين ما هو شخصي وما هو استعراضي.
وبمرور الوقت، يمكن أن يؤثر ذلك على كيفية رؤيتهم لأنفسهم، حيث تتشكل الهوية بشكل أقل من خلال التجارب الداخلية وبشكل أكبر من خلال ردود فعل الجمهور. ويقول الخبراء إن هذا الفقدان المبكر للخصوصية قد يجعل من الصعب على الأطفال تطوير استقلاليتهم، أو التجربة بأمان في التعبير عن الذات، أو إعادة تعريف أنفسهم لاحقاً بعيداً عن "الشخصية الرقمية" التي أُنشئت قبل أن يكونوا قادرين على إعطاء موافقتهم.
ترفض منيرة الادعاءات القائلة بأن الأطفال الذين يظهرون في المحتوى يتم استغلالهم، مشيرة إلى وجود حدود واضحة، حيث يتم تحديد وقت التصوير ويمكن لأطفالها الانسحاب في أي لحظة. وقالت: "بالنسبة لنا، الأمر لا يزال عبارة عن سرد لقصة حياتنا، ولكن بتنسيق حديث".
وينصح الخبراء الآباء بوضع حدود صارمة، وتأمين الأرباح، وإعادة تقييم مشاركة الطفل بانتظام للتأكد مما إذا كانت لا تزال تخدم مصلحته الفضلى، بدلاً من التركيز فقط على نمو الجمهور.