الإغريق في الشارقة: لقاء عالمي بين أسطورة الأدب وروح المعرفة

حلت اليونان ضيف شرف الدورة الرابعة والأربعين من معرض الشارقة الدولي للكتاب، لتعيد إحياء أسطورة البحر والمعرفة
الإغريق في الشارقة: لقاء عالمي بين أسطورة الأدب وروح المعرفة
تاريخ النشر

في واحد من أكثر المشاهد الإبداعية سحراً وعمقاً، حلت اليونان ضيف شرف الدورة الرابعة والأربعين من معرض الشارقة الدولي للكتاب، لتعيد إحياء أسطورة البحر والمعرفة، وتجسد تحت شعار "بينك وبين الكتاب" علاقةً فريدة بين الإرث الإغريقي وحوار الحضارات. من جناح مصمم كسفينة أثينية، تتوسطها شجرة زيتون خالدة وتحوطها رفوف على شكل مجاديف، حمل الجناح اليوناني زواره في رحلة من الإلياذة إلى الحداثة، حيث تتناثر آلاف الكتب بين أروقة تتنفس تراث الملاحم والفلسفة والإبداع.

تحت شعار «بينك وبين الكتاب»، أبحرت اليونان هذا العام في الدورة الـ 44 لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، كـ ضيف شرف يضيء أفق الثقافة العالمية من بوابة الشارقة، لتعبر عن إرثها الحضاري الضارب في عمق التاريخ الذي يمتد لآلاف السنين. وقد تحولت مشاركة اليونان إلى رحلة إغريقية متكاملة، تؤكد أن المعرفة هي أداة الإبحار الأولى نحو الآخر.

الجناح اليوناني: العمارة تلتقي الفلسفة

على مساحة 200 متر مربع، ينتصب الجناح اليوناني كتحفة معمارية جاذبة، صُممت على هيئة سفينة أثينية قديمة، حيث تعلو جانبيها رفوف كتب صُممت على هيئة مجاديف. هذا التصميم ليس مجرد ديكور، بل هو إشارة رمزية إلى أن المعرفة هي أداة الإبحار نحو الآخر، فكما كان البحر وسيلة للتجارة والتواصل بين الإغريق، أصبحت الكلمة اليوم جسر التواصل بين الحضارات.

تتناثر بين أروقة الجناح كتب الأدب والفكر والفلسفة اليونانية، بعضها مترجم إلى العربية، وأخرى باللغة الأصلية، وتتوسطه شجرة زيتون ترمز إلى الصمود والعطاء، وارتباط الهوية بالثقافة.

أما المدخل، فيحاكي متحفاً مصغراً يعرض نسخاً من آثار ومخطوطات قديمة، بينها رأس الشاعر الإغريقي هوميروس، صاحب ملحمتي "الإلياذة والأوديسة"، اللتين خلّدتا البطولة والأسطورة، ورسمتا ملامح الأدب العالمي منذ نحو ثلاثة آلاف سنة.

من أنتيجونا إلى حائزي نوبل

في معرض بعنوان «الأدب اليوناني.. الرحلة الطويلة»، تمتد السردية اليونانية من العصر البيزنطي مروراً بالقرون الوسطى وصولاً إلى القرن العشرين، حيث تعرض صور ومقتطفات لشعراء ومفكرين حازوا جوائز نوبل وغيرها من التكريمات العالمية.

وفي عمق هذا المشهد، تحضر الرؤية الجمالية التي تعتبر أن الأدب، كما القيثارة والمرأة في الحضارة الإغريقية، هو صوت الروح الإنسانية حين تبحث عن توازنها بين الجمال والعقل. كما تحضر الشابة أنتيجونا كرمزٍ للإنسان الذي يختار العدل على الطاعة، حيث تُروى عبارتها الشهيرة عند حبسها: «لم أُخلَق لأُشارِك في الكراهية، بل في الحب.» في هذا المزيج الإبداعي بين الملاحم والمآسي، يتجلى جوهر الأدب اليوناني في البحث عن الإنسان أولاً، وفي الإيمان بأن البطولة الحقيقية تكمن في قوة الكلمة وصدق الضمير.

تعميق الشراكة الثقافية ودعم الترجمة

تؤكد سيسي باباثناسيو، الكاتبة والمترجمة ورئيسة مديرية الآداب في وزارة الثقافة اليونانية، أن اختيار بلادها ضيف شرف في معرض الشارقة يجسد عمق العلاقات الثقافية الممتدة بين اليونان والعالم العربي، مشددة على أن الأدب هو الذي يربط الشعوب ويعزز الحوار بين الحضارات.

وتشير إلى أن الجناح يضم نحو 600 عنوان باليونانية ولغات أخرى، بمشاركة 59 ناشراً ومؤسسة ثقافية وتعليمية، في حضور يشرف عليه برنامج GreekLit الذي يهدف إلى دعم ترجمة الأدب اليوناني إلى لغات العالم، بما فيها اللغة العربية. وتضيف أن تصميم الجناح استُلهم من نسب المعابد الإغريقية القديمة، ليكون بمثابة هيكل للفكر والمعرفة تتوسطه شجرة الزيتون كرمز للسلام والخلود.

من جهته، عبّر كوستاس كاتسولارس، رئيس جمعية الكتّاب اليونانيين، عن سعادته بالمشاركة، قائلاً إن معرض الشارقة الدولي للكتاب يمثل نموذجاً متفرداً في إدارة الفعل الثقافي، مشيراً إلى أن أهم ما يميزه هو قدرته على خلق شراكات بين دور النشر العربية والعالمية، وترسيخ التعاون الذي يخدم الثقافة الإنسانية جمعاء، مؤكداً أن الشارقة تحولت إلى بؤرة إشعاع حضاري يتجدد أثرها مع كل دورة.

كما أكدت الكاتبة والمترجمة بيرسا كوموتسي أن مشاركتها تهدف لتعريف القارئ العربي بالأدب اليوناني الحديث إلى جانب الكلاسيكي المعروف، مشددة على أن معارض الكتب هي المكان الأمثل لتبادل الأفكار والرؤى، إذ تتيح اللقاء المباشر بين الشعوب، فالثقافة والأدب يوحدان البشر ويكسران حواجز اللغة وسوء الفهم.

الثقافة... إبحار نحو الإنسانية

يشهد الجناح اليوناني حراكاً يومياً وتفاعلاً كبيراً من الزوار، من خلال برنامج ثقافي متكامل يضم أكثر من 70 كاتباً وشاعراً ومترجماً وموسيقياً وممثلاً وأكاديمياً. تتنوع فعالياتهم بين جلسات حوارية، ومؤتمرات مهنية، وعروض شعرية وموسيقية ومسرحية، وورش فنية للأطفال، في مشهد يعكس الوجه المعاصر لليونان، التي ما زالت ترى في الثقافة وسيلتها الأجمل للتواصل مع العالم.

فمن هوميروس الذي مجّد ملحمة الإنسان في صراعه مع القدر، إلى سوفوكليس الذي صاغ في تراجيديته الخالدة مرافعة أبدية عن الحرية والضمير، يمتد الإرث الثقافي لليونان كبحرٍ لا ينضب. وكما كانت الإلياذة تمجّد البطولة في زمن السيوف، تأتي مشاركة اليونان لتعيد تعريف البطولة كقوة فكرٍ وحوارٍ وتسامح، فالسفينة التي تحمل اليوم كتباً بدلاً من الجنود، ومجاديف من رفوف المعرفة، تبحر نحو المستقبل لتؤكد أن الحضارة ليست مجرد تاريخ يُروى، بل رسالة تُكمَّل عبر الأجيال.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com